آخر الأخبار

الخميس، يونيو 23، 2011

قلب الأحداث .. رأساً على عقب

  قبل سنوات كنت أظن وجود الصحفي مصوراً كان أم مراسلا في ميدان الحدث وقت وقوعه يعطيه ميزة بخصوص الاطلاع على الحقيقة المجردة قبل تداولها و تنقيحها و تعديلها أحياناً من قبل محرري الصحف و نشرات الأخبار و من قبل المؤسسات الصحفية، بل و الأجهزة الأمنية أيضاً و التي تمارس دور الرقيب على وسائل الإعلام المختلفة فيما يبدو لأنهم يظنون أنهم يعرفون أكثر و لديهم دراية أكبر بمصلحة الوطن.
  ذلك التصور تلاشى تقريباً بمجرد أن بدأت العمل في مجال الجمع الإخباري News Gathering ، و الجمع الإخباري لمن لا يعرف يشير في محطات التليفزيون المختلفة إلى الأفراد و الإدارات المكلفين بنقل الأحداث من ميادينها سواء عن طريق التسجيل و عمل تقارير أو فيديوهات ذات تحرير مبدئي Raw Cut Footage و أيضاً عن طريق البث المباشر بأجهزة الاتصالات عن طريق الأقمار الصناعية .
  عندما وجدت نفسي في قلب الأحداث اكتشفت أن هؤلاء الموجودين حولي سواء المشاركون في الأحداث أو الصحفيون لا يستطيعون معرفة أكثر مما تكشفه زاوية رؤيتهم المحدودة ، أما الحقيقة فلا شك أنها أشمل و أعم و أكثر تعقيداً و تعدداً .
  هذا تحديداً ما أوجد مجالاً خصباً في وسائل الإعلام للتأويل و التحوير و التأليف و التزييف أحياناً . كل ذلك يحدث عادة في مرحلة ما بعد الجمع الإخباري ، أما عملية الجمع نفسها فغالباً ما تكون محايدة سواء رغب في ذلك القائمون عليها أم لا ، فطبيعة الأحداث المتسارعة و ضغط عجلة التطورات تجعلانهم في لهاث دائم للحاق فيلحقون تارة و أخرى يخفقون لكنهم في كل الأحوال يستمرون ، و حتى لو كان ما يقومون به يتعرض لتشويه من قبل الجهات التي يعملون لصالحها لكن الحقيقة التي سجلتها الكاميرات تبقى وثائق سيأتي من يفحصها و يدرسها و يحللها يوما ، ثم يقارنها بغيرها ليكشف أو يكتشف ما كان خفياً .


  و بما أن المتلقي يرغب في معرفة الحقيقة ؛ عليه أن يفقد الثقة و ينتهي عن تقديس ما تقدمه له وسائل الإعلام المختلفة سواء الصحف أو الفضائيات و حتى مواقع الإنترنت ليستطيع نقدها و إعادة ترتيب المفردات فيحصل على صورة أقرب ما يمكن للحقيقة .
  تلك المعلومة ليست جديدة ، بل هي قاعدة أصبح الكثيرون يعرفونها ، و هذا ما يجعلهم يتشبثون بمحول قنوات الستالايت أو يبقون لساعات محملقين في شاشات حواسبهم سعياً ليس فقط إلى المعرفة التي أصبحت متاحة بتدفق شديد الغزارة في السنوات الأخيرة ، لكن أيضاً لاستكشاف ما خلف المعلومات المجردة .
  المشكلة هنا ليست في ارتياب المتلقي تجاه الخبر الذي يصله إلى بيته بل في توجسه من وجود الصحفيين و المصورين الذين يبذلون وقتهم و جهدهم و أحيانا أعمارهم في محاولة كشف زاوية رؤية أكبر تتيح في النهاية لعامة الناس مزيداً من المعرفة . هذه الريبة تطورت لتصبح عنفاً موجهاً و رفضاٍ لا يخفى على أحد .
  هنا تكمن القضية حقيقة ، فمنع الصحفي عن ممارسة مهنته لن تكشف الحقيقة لكنها ببساطة ستريح رؤوس البعض ممن يسعدهم أن يبقى الظن لدى الشعوب في واحدية الحقيقة و جلائها ، و ذلك يجعلهم لا يبذلون جهداً في مناقشة صور أو تصورات مختلفة للحدث بقدر ما يركزون جهدهم في تقديم لوحة جيدة الصنع ، و أحياناً رديئة الإخراج ، يقتنع بها الجمهور و يرتاح إليها صانعوا القرار .
  ذلك ما دأبت على صناعته و حرصت عليه الأجهزة الأمنية في الماضي القريب و كان كل مصور ليحصل على تصريح للتصوير يستغرق عشرات الأيام و أحيانا شهوراً مما يعني أنه لا يستطيع تغطية أي حادث مفاجئ أو حتى غير مفاجئ ، و مع ذلك كان يسمح بالتصوير فقط بعد أن يقوم البعض بتنظيف موقع الحدث و هو ما يعني إعادة ترتيب الأدلة ليستطيع المسئولون رسم صورة متكاملة للنتائج التي سوف تسفر عنها التحقيقات فيما بعد و طبعاً بما لا يعرضهم - على الأقل - لوجع الدماغ .
  هذا ، و ربما لاحظ البعض أن ثمة انفراجة في حرية العاملين في مجال الجمع الإخباري أثناء الثورة في ميدان التحرير ، و بعد الثورة في ربوع مصر و هو شهر عسل لم يطل و بدأ التصوير و خاصة الفيديوي يمثل مشكلة لدى البعض ، و رجع تربص ما بالمصورين و الصحفيين حتى لو لم يكن بنفس الكثافة كما كان قبل لكنه يعود رويداً . كما زاد الطين بلة أن وسائل الإعلام المختلفة و التي تداولت موضوع الجاسوس الإسرائيلي و صوره على أنها انفرادات صحفية و سبق لكل وسيلة على حدة ، هؤلاء جميعا ركزوا على أنشطة مختلفة للجاسوس تشترك جميعاً في أنها معظمها أنشطة يمكن أن يقوم بها كل صحفي أجنبي أو حتى مصري بدءاً من سؤال الناس عن أحوال البلد و حتى التقاط صور لنفسه أمام الأهرامات ، و طبعا ليس المجال هنا مناقشة أدلة و تحقيقات تقوم بها جهات مسئولة دون شك تعرف أكثر مما هو معلن ، لكن المسيء فعلاً هو رسم صورة لهذا الجاسوس على أنه مجرد صحفي ، و ربما صحفيٌ " شاطر " يُرصد وجوده دائماً في مواقع الأحداث ، و طبعا لا ينقص الناسَ  مثل تلك الصور ليتحولوا إلى ضباط مباحث يتعقبون كل صحفي و كل أجنبى ؛ حتى أن صحيفة كأخبار اليوم ( العدد الأسبوعي لجريدة الأخبار المصرية ) ظهرت علينا السبت الماضي بخبر أفردت له مساحة مبالغاً فيها على صفحة الغلاف بعنوان يقول ماذا تفعل هذه السيدة الأجنبية بميدان التحرير ؟! و الغريب أن وجود سيدة أجنبية بميدات التحرير ليس و لم يكن أبدآً مثيرآً للريبة إلى هذا الحد ، خصوصاً و ما كانت تقوم به تبعاً لرواية الصحيفة يوحي بأنها إما صحفية أو إحدى ناشطات أو موظفات جمعية تعمل في مجال حقوق الإنسان و كأني بالجريدة تستعدي الناس تجاه هؤلاء و إلا، إذا كانت الجريدة تعرف أكثر بشأن هذه السيدة تحديداً ؛ فلم لم تذكر ما عندها من معلومات ، و إن كانت لديها معلومات شديدة الخطورة بحيث لا يمكن ذكرها ، فلماذا يتم تصوير السيدة على أنها مجرد صحفية أو ناشطة حقوقية ؟


  من جهة أخرى لو لم يكن لدى الجريدة معلوماتٌ كافية تدين سيدة ما فكيف تفرد هذه المساحة لخبر يسيء إليها و ربما يعرض حياتها و آخرين للخطر ، ألا يعد ذلك جريمة أو على الأقل إخلالاً بأصول الشرف المهني ؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق