آخر الأخبار

الجمعة، يونيو 13، 2014

أن يكون البعد قريباً تجربة فوتوغرافية تستحق التأمل


 أن يكون البعد قريباً
تجربة فوتوغرافية تستحق التأمل

كنا نغضب - كمصورين - عندما يُثني البعض على عملنا بالقول : تسلم يدك ، أو تسلم عينك .
كنا نحزن و يصيبنا الحنق ﻷننا ندرك سرَّ المصوِّر و هو ليس في يدِه ، و ليست عينُه أداتَه ؛ إنَّما هو العقل . المصور عقل عملية التصوير ، لا مجرد عيٍن ترى أو يدٍ تتحرك
و ﻷنّ المصور عقلٌ ، نحاول أحياناً أن نترك انبهار اﻷعين ، و لا نعير اﻷلعابَ الفوتوغرافية أو الحرفَنة البصرية كل اهتمامنا ، أحيانا نحب تجربة فوتوغرافية لا تقدم تميزاً تشكيليا في اﻹضاءة أو زاوية التصوير ، أو لحظة التقاط الصورة ، نحبها رغم أنها لا تعرض ما يرضي ذائقة متلقٍ واعٍ أو مصورٍ متخصص ،  هذا ما وجدناه في أعمال المصورة البنغالية جنتول ماوا التي لم تفتش عن إبهار بصري ، و لم تترقب لحظات قمة لصراع في حياة اﻷشخاص موضوع صورها ؛ كما نتوقع من مصور محترف ، لكنها بدلا من ذلك تختار تصوير اﻷشخاص في لحظات ثبات أو شبه ثبات بعيدا عن ما يميز حيواتهم و يجعلهم مختلفين عن غيرهم ، فعلت ذلك و هي تتناول حياة فتيات فقيرات تحترفن بيع أجسادهن . موضوع يمكن أن نتصور كيف سيطرحه مصور غربي مثلا بالتركيز على فكرة تجارتهن المنبوذة في معظم الثقافات ، ربما يتعاطف معهن ، مع بؤسهن و ضعفهن و فقرهن ، أو على نقيض ذلك يظهر امتعاضه واستياءه و تعاليه على قبولهن ممارسة مهنة كتلك . جنتول ماوا ( أو جنة المأوى ) على خلاف ذلك تضحي بكل ما يحويه الموضوع من إثارة و تقرر أن تصور فتياتها أمام بيوتهن التي لا تزيد عن كونها مجرد بيوت فقيرة ، لا تظهر أي إشارة للمهنة المشينة التي تمتهنها .. و الفتيات أنفسهن كأي فتيات في مثل أعمارهن تظهرن بملابس محلية عادية تخفين وجوههن عن الكاميرا بحياءٍ غير مصطنع لا يخفي سعادتهن بالتصوير ، و المصورة لا تحاول تحريكهن بأوامر منها بما يؤكد أنها لا ترغب في المتاجرة بآلامهن ، كل ما في اﻷمر أنها تبحث عن لحظات استراحتهن من همهن اليومي ، اللحظات التي تُغمِدْن فيها تفاصيل حيواتهن و تبقيْن فيها دون صفة غير إنسانيتهن .
http://mawaspace.files.wordpress.com/2013/02/mg_9676-copy1.jpg
  أسلوب جنتول ماوا لا يبدو مقصوداً ، إذا تتبعنا مراحل حياتها المهنية ، في الواقع كانت بدايتها بالعمل في مجال حقوق الإنسان ، ثم كان توجُّهها لدراسة التصوير لمساعدتها في التوثيق للقضايا التي تتناولها . هذه الخلفية العملية تظهر بوضوح لماذا لا تشغل بالها كثيرا بتفاصيل فوتوغرافية ربما لا تعرف عنها الكثير ، لكنها تعوض ذلك بخاصةٍ تدرك أنها تجيدها و تتميز بها اكتسبتها من نشاطها العام و عملها السابق ، إنها تحترف الاقتراب من الناس ، تكسر الحواجز و تقلص المسافات بينهم و بين الكاميرا ، لا رغبة منها في الحصول على صورة رائعة ، لكنها تتأمل اﻷشخاص حولها ، لا كجزء من بيئتهم ، بل فقط كواحِدِين من البشر .
  في تجربتها الأخيرة " مسافات قريبة " تتبع نفس الأسلوب ، البساطة المطلقة ؛ حتى أنها تلتقط كل الصور بعدسة متوسطة البعد البؤري - ربما هي نفس العدسة لكل الصور - و كما يعرف الكثيرون هذه العدسة تنتج صوراً أقرب ما تكون لما تراه العين البشرية دون تحريف أو تحوير ، أيضاً الإضاءة في كل الصور إضاءة عامة منتشرة أعتقد أنها نفس الإضاءة الطبيعية التي وجدتها في المنازل التي التقطت مجموعتها فيها . بالإضافة للعدسة و الإضاءة جميع الصور التقطت على خلفية شبه خالية من التفاصيل إلا في أضيق الحدود .
  كل ذلك يجعل السيادة للبشر ، النسوة موضوع المجموعة
.. في كل صورة سيدتان تعيشان تحت سقفٍ واحد لكنهما تنتميان إلى عالمين مختلفين تماماً ، إحداهما سيدة المنزل ، ربته و ملكته ، و  الأخرى خادمتها ، تجلسان متجاورتين على نفس الأريكة التي اعتادت الأولى احتلالها و إصدار الأوامر " منجعصة " من أعلاها بينما دأبُ الأخيرة تنظيفها و توضيبها لمخدومتها دون أن تفكر يوماً في التمتع بالغوص في وثارتها ، أقصى ما تناله الأخيرة هو الجلوس على الأرض غير بعيدٍ لتجاذب أطراف الحديث مع السيدة في لحظات الصفا إن كان هناك صفاء في عملها هذا الذي تتقاضى لقاءه خمسة عشر دولاراً شهرياً و وجبتين في اليوم .
  تستطيع التفريق بين السيدة و خادمتها في كل الصور بسهولة ، عادة السيدة تشغل حيزاً أكبر حتى لو لم تكن أسمن من الخادمة لكنها تتمدد على الأريكة بثقة أكبر تجعلها تظهر أضخم ، أيضاً الخادمة عادة حافية و تبدو منكمشة خجولة ، بل ربما خائفة أيضاً . لكن رغم ذلك تجد شخصية السيدة منعكسة على خادمتها بشكلٍ واضح ؛ فالمتعجرفة تظهر خادمتها بائسةً ضعيفة ، و السيدة التي يظهر أنها ذات مكانة مجتمعية راقية ، خادمتها أيضاً أكثر ثقة في نفسها معتزة بذاتها و مقدرة في نفس الوقت لمخدومتها .
  أما السيدة " التختوخة ، الحبوبة ، الضاحكة " ستجد الفتاة الجالسة بجوارها تضحك و تداري ثغرها بخجلٍ  طفولي نقي حر و طبيعي حتى أنك تتساءل هل هي ابنتها الكبرى أم خادمتها .
  تجربة فوتوغرافية أصعب ما فيها إقناع كل من السيدة و الخادمة بالجلوس متجاورتين لالتقاط الصورة .
أتوقع أن المصورة جنتول ماوا عانت كثيراً حتى أكملت مجموعتها تلك ، لكنها استطاعت تقديم رؤية مختلفة عن علاقة السيدة بالخادمة في دول شبه القارة الهندية ، ربما كانت تقصد ذلك لتغيير الصورة السيئة التي تكونت في الغرب عن معاملة السيدة في تلك المنطقة لخادمتها خاصة بعد فضيحة الدبلوماسية الهندية التي أدينت في أمريكا لسوء معاملتها لخادمتها . بصرف النظر عن سبب تقديم هذه المجموعة من الصور لكنها قدمت صوراً شيقة لمن يجيد تأمل حيواتٍ تطل من أعين أشخاصٍ  يجلسون على أرائك تبعد عنه آلاف الكيلومترات و يتطلعون إليه كما يحملق في صورهم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق