آخر الأخبار

الخميس، أغسطس 28، 2014

كلنا عواطف ..شرم الشيخ بطعم المصريين


عواطف التي لا تعرفونها ، ليست ترجمةَ لفظٍ  يعني المشاعر أو مكنونات النفس ، عواطف هي " الموديل " التي كان علينا رسمها في إحدى محاضرات ( سكاشن ) الطبيعة الحية و نحن طلبة
  عواطف جلست بثقة أو ربما لامبالاة و سمعت أستاذنا الدكتور يقول لنا : انسوا نسب الجمال الأثينية . لا تفكروا في معايير فيثاغورس للتناسق ؛ ليست لدينا موديل من ألمانيا و لا غادة باريسية ، ليس معنا هنا سوى عواطف
  طبعاً بعضنا أخذ يهمس و يخفي بيده ابتسامة لاهية تكاد تتحول إلى ضحكة تجلجل لو ترك لها العنان . كلنا أخذنا نتفحص السيدة بجسدها السمين المترهل ، ثوبها المتهدل كثير التجاعيد و غطاء رأسها الشعبي .
  هي أيضاً كانت تقلبنا بعينيها
  نظرتها تخبر من يتأملها أنها واثقة تعرف ما لا نعرفه ، و لا تكترث لسخريتنا التي تبدلت عندما فوجئنا بأستاذنا يقول
  من لا يدرك الجمال في هذه المرأة لن يستطيع بعد سنواتٍ النظر في المرآة ، أنتم لم تروا عواطف في شبابها ، و كذلك لا تستطيعون - حتى الآن - أن تروا أنفسكم في سنها
  كلماتٌ جعلتنا نتحول عن السخرية إلى التأمل . معظمنا استطاع أن يدرك المعنى و يفهم أن الجمال الذي وضع الفلاسفة و العلماء و الفنانون و المتأملون مقاييس محكمة له لم يكن جمالنا نحن ، و لو حاكمنا أجسادنا بمعايير الآخرين ما استطعنا يوماً أن نتصالح مع أنفسنا
  هكذا أصبحنا نتأمل العالم و نتعامل مع بيئتنا بمنظورٍ مختلف ، برؤية مغايرة لا يستطيع تبنيها هؤلاء الذين تصدمهم مدينة كشرم الشيخ في ثوبها الجديد .. ثوبها الذي ترتديه عكس من كانوا يسكنونها من قبل

  من اعتاد رؤية شرم الشيخ و أجساد الحسناوات الروسيات و الناهدات من بنات إيطاليا تمرحن على شواطئها مع فتية ذوي بنيان روماني محكم ؛ لا يستطيع - حتى الآن - التأقلم مع المظهر الجديد للمدينة التي أصبحت أقرب ما يكون إلى مصايف أبناء البلد كالأسكندرية أو جمصة أو رأس البر
  راحوا و هم كثيرون ينتقدون أبناء جلدتهم و يسخرون من لباسهم و تصرفاتهم و ثقافتهم برمتها ، ملأوا بالتعليقات العنصرية مواقع التواصل :
  شفتي اللي نازلة البحر بالمايوه الشرعي
  بص اللي قاعد ع البيسين بهدومه
  لاحظتوا الناس بتاكل في المطعم إزاي
  ياه ع الزحمة ، دي ما بقتش شرم
  سياحة ، هي فين السياحة دي ، الله يرحم أيام زمان
  نعم ، أيام زمان كانت للمدينة طبيعة مختلفة ، كان من يذهب إليها يمتع نفسه بإحساس أنه خرج من مصر و يستطيع أن يعيش أياماً مغايرة ، أياماً يتظاهر خلالها أنه خواجة وسط الخواجات ، و نظراً لمركب النقص المتغلغل في نفوس الكثيرين و الذي يطلق عليه " عقدة الخواجة " كان يحس أنه أرقى ، أنه من جنس أسمى ؛ نوعٌ من العنصرية التي نمارسها دون قصد ضد أنفسنا
  الآن ، هؤلاء - الذين يسوؤهم مظهر شرم الجديدة - عليهم أن يدركوا كون شرم لم تذهب مذهب المصريين ؛ هي فقط عادت إليهم
  كأني بها اليوم تحررت بشكل حقيقي
شرم التي كانت مقصداً أقرب إلى الإسرائليين منها إلينا ، تعود لتصبح جزءاً من مصر التي نعرفها بعد إحتلال طال أمده ؛ فليس التحرر حبراً منثوراً على أوراق الإتفاقيات و إنما هو التحامٌ كاملٌ للأطراف التي كادت تبتر بأجسادها
  من يستاء من شرم اليوم و " صعبان عليه " السياحة ، عليه أن يتذكر كم تبخرت هذه السياحة في وقت الجد كما تتطاير الزيوت من زجاجات العطر المفتوحة .. كلما وقع حادث أو استحدثت أزمة تفر السياحة الخارجية بكل أجوائها المصقولة من منازلنا السياحية كما يفر الصحيح من مجذوم ، و يستدعي أولو الأمر أبناء البلد ليرفعوا مواطن السياحة من كبوتها و يسنِّدوها حتى تصح
  لو أخذنا في الإعتبار كم مرة حدث هذا لوجدنا في النهاية أن الإعتماد على السياحة الداخلية أجدى ، و إذا اهتممنا بها ستأتي " في رجلها " السياحة الخارجية ، و يا أيها المحزون اللامتصالح مع نفسه : لا تبكين على الأجانب ؛ هم بدورهم لم يأتوا إليك ليبكوا معك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق