آخر الأخبار

الأربعاء، نوفمبر 22، 2017

الحداد لا يكفي، و الفضائيات لا تشفي


الحداد لا يكفي، و الفضائيات لا تشفي

  نعم الفوضى الإعلامية لم يصنعها، و لا حتى يستطيع صنعها الفوضويون.. الفوضى صناعة مَن لم يضع نظاماً، و تصور أن كل شيء سيسير على ما يرام.

   ملاحظة بسيطة بعد ما حدث من تخبط معلوماتي أثار استياء الشارع المصري و قلقه الطبيعيان.. حتى من يعملون و يتعاملون مع ما يسمى بالمطبخ الإعلامي؛ ظهر جلياً من جهة تخبطهم و من جهة استياؤهم من الوضع الذي وجدوا أنفسهم فيه.. ربما لا ألوم الإعلام على ذلك، لكن علينا أن نعترف أن البيت بحاجة لترتيب.

  أولاً، لا أعتقد أن بيان الداخلية جاء متأخراً؛ فلا يُعقل أبداً أن تصدر الداخلية، أو الصحة أو رئاسة الحكومة بيانات أو تصريحات تتعلق بمهمة خطيرة و حساسة مثل ما وقع في الواحات بينما العملية في طور التنفيذ، لا يمكن أن يحدث ذلك في أي بلد، و لا يجب أن يحدث أبداً.

ما شكَّل أزمة حقيقية هو شغف الجمهور لمعرفة ما يحدث، ربما قلقاً على أبنائهم المشاركين في هذه العمليات الخطيرة، أو خوفاً على أولادهم المطمئنين في منازلهم غير بعيد عن الأحداث التي صارت قريبة للغاية، أو حتى انصياعاً لغريزة الخوف في أنفسهم. في المقابل الناس أصبحوا أكثر وعياً أن ما يعرض على وسائل التواصل لا يعدو كونه آراء و تجليات للبعض، و ما تذيعه القنوات الأجنبية غير منزه عن أغراض خفية مهما وصلت درجة مصداقية هذه القنوات علواً أو هبوطاً، لكن أخيراً: أن يذاع ما سمي بالتسريب، على قناة مصرية فضائية محلية خاصة، و من مذيع/صحفي لطالما تفاخر أنه(بتاع الداخلية)، و لم ينف ادعاءه أحدٌ  و أصبحنا كجمهور نسلم به، و يشاهده من لا يعتبرون أنفسهم من محبيه قبل محبيه؛ لأن كلامه دون شك - في اعتقادهم يمثل جهة رسمية رفيعة. كل ذلك صنع البلبلة.. هذه هي الفوضى التي صنعها غياب النظام، أو بلفظ أدق "سوء التنظيم".

  دون شك أصبحنا على وعي تام بأهمية ما يردده الخبراء، خبراء الإعلام، و خبراء التنظيم و الإدارة، و أساطين السياسة من أن أكبر خطأ تقع فيه الدولة هو محاولة إقصاء التليفزيون الرسمي، و نقل صلاحياته إلى قنواتٍ خاصة، أو لنقل شبه خاصة، قيل إنها تخضع لتوجهات الدولة و تدعمها، كل ذلك يمكن أن نعتبره فكراً جديداً، قابلاً للتجربة؛ لو كنا في ظروف أخرى.

  ما حدث من تخبط معلوماتي أخيراً يجب أن يلفت نظر رجال الدولة للسبب الرئيسي، و هو تعدد مصادر المعلومات، بينما المفترض في حادثة كهذه أن الدولة دون غيرها هي الجهة صاحبة الاختصاص، و من يذيع عن مصدر آخر فهو بالتأكيد يحصل على معلوماته من جهة مغرضة. التليفزيون الرسمي انتظر بياناً رسمياً و هو تصرف مهني يراعي الضمير و لا يمكن أن يلام عليه. القضية أن القنوات الخاصة التي تحاول الحفاظ على صورتها لدى المسؤولين في الدولة كمالكة لعقول المشاهدين، أرادت أن تسرق عيون المشاهدين و تقبض قلوبهم و لو بالتنازل عن المهنية التي لم تعد تساوي شيئاً في سوق الإعلام المصري.

  لابد للدولة من أن توحد الجهة التي يتلقى عنها الجمهورُ أنباء الدولة، طبعاً لا يعني ذلك غلق الفضائيات الخاصة؛ فقد تخطينا هذا الطور الذي تحتكر فيه الدولة وسائل الإعلام، لكن ببساطة على القنوات الخاصة أن تكون قنواتٍ خاصة، و على تليفزيون الدولة أن يكون تليفزيوناً رسمياً، كل البيانات و التصريحات و لقاءات الوزراء، و رئيس الوزراء و رئيس الجمهورية كل ذلك يجب أن يؤخذ عن محطة واحدة، و يمكن لجميع الجهات أن تأخذ عنه.. لو كان عامة المصريين يعرفون أن المصدر الأساسي للمعلومات هي تليفزيون الدولة لما تخبطوا بحثاً بين القنوات المختلفة، و لما لجأت هذه القنوات لإرضائهم بأي وسيلة و لو كانت مادة مفبركة أو حتى لا يجب إذاعتها في وقت معين.. أما إذا كان رجال الدولة يرون أن تليفزيونهم متعثر، فليس عليهم إلا أن يدعموه، بدلاً من التصفيق للحملات الموجهة ضده من جهاتٍ هي السبب لما نحن فيه الآن.

أحمد صلاح الدين طه

بعد دورة الملكية الفكرية.. يا عزيزي كلنا لصوص




نعم يا عزيزي.. كلنا لصوص، و لا نستثني أحداً.
  لصوص، لكن ظرفاء، لطفاء، طيبون، لا نقصد شراً ( حتى لو وقع بسببنا ) و لا نستهدف إيذاء أحدٍ ( حتى لو تسببنا في فقد المئات لوظائفهم، و إفلاس عشرات الشركات ).
  ذلك ما يجب أن أعترف به بعدما حضرت دورة تدريبة متخصصة تتناول موضوع الملكية الفكرية و حقوق المؤلف، و أشهد أن الوعي بهذه الحقوق ينقصنا كثيراً و هو ما يترتب عليه تجاوزات جمة منا حيناً، كما يتضمن اعتداء على حقوقنا كأفراد و مؤسسات - حقوقنا التي لا نعرفها – في أحايين أخرى.
  بالمناسبة كان أول اصطدام لي بفكرة حقوق الملكية الفكرية و ما يترتب عليها من واجبات و ممارسات في العمل قبل حوالي عشرة سنوات، كنت أصور بعض الأعمال لمنتجة أوروبية تعمل لصالح إحدى وكالات الإنتاج التليفزيوني الغربية، و فوجئت بتشددها في فكرة الحصول على موافقات مكتوبة على نماذج مطبوعة تتناول تفاصيل كل المادة التليفزيونية.
 في الحقيقة، وقعت بسهولة مطلقة على كل ما يخصني في هذا الأمر، و هو تفاصيل كل اللقطات التي صورتها بنفسي لتستخدمها في أعمالها، مع إقرار مني بأن كل المحتوى الذي قدمته لها في الشرائط من تصويري، و لا يدخل فيه أي حقوق لأية جهة أخرى، أيضاً تضمن الإقرار موافقة مني باستغلال الوكالة التليفزيونية لهذه المادة في العمل المزمع إنتاجه، و أي أعمال لاحقة تخص الوكالة فيما عدا لو تم بيع المواد الخام لطرف ثالث؛ في هذه الحالة يكون على الوكالة دفع نسبة من عائدات هذه المواد لي.
  لم يكن في هذا الجزء أي مشكلة، فأنا لا بد سأوقع حتى أتمكن من الحصول على أجري كمصور حر، كما أنني لن أتابع الوكالة الأجنبية لو باعت أو لم تبع هذه المواد، و هم يعرفون أنني لن ألاحقهم بأي مطالبات، طالما حصلت على أجري مقابل التصوير، و خاصة أنهم يدركون تماماً أن الوعي في هذا الجانب محدود جداً لدينا.. الأمر برمته لا يزيد عن كونه تستيف أوراق، و التجهز مسبقاً لما قد يطرأ، و يعرضهم للمساءلة، عندهم و ليس عندنا.
  المشكلة الحقيقية، و التي جعلتني أشعر بالاستياء حينها من فكرة قوانين الملكية الفكرية، هي إلزامنا بالحصول على إذن مكتوب من كل الضيوف الذين وافقوا على الظهور في العمل التليفوني، و بالمناسبة جميعهم لم يتقاضوا أجراً، و كان لزاما عليهم التوقيع على ما يشبه التعاقد، يقرون فيه بموافقتهم على الظهور في تسجيلٍ، موضوعه كذا، و يتم عرضه في عمل صفته كذا و كذا، و يمكن للوكالة استخدام هذه اللقاءات، و هم يوافقون على عدم الحصول على مقابل مالي حالاً أو مستقبلاً.. كل ذلك في بنود على عدة صفحاتٍ بالإنجليزية جعلت الضيوف يرفضون و يتراجعون عن موافقتهم السابقة لإجراء الحوار معهم، و يطلبون مهلة للتشاور مع من يفيدهم في هذا الشأن و للعلم كل الضيوف كانوا وزراء و رجال أعمال كبار، و أساتذة اقتصاد مشاهير، أي أنهم لا يشك في ثقافتهم و اطلاعهم.
  كاد الإنتاج برمته يتوقف خاصة مع تزمت المنتجة في الحصول على توقيعات الجميع و لو أدى ذلك لإلغاء كل شيء، و كانت تقول: " أنتم لا تعرفون، لو لم أحصل على التوقيعات لن توافق الوكالة التي أعمل لصالحها على استخدام لقطة واحدة، و لن يكون هناك فارق بين أن أعود بدون توقيعات و أن أعود بلا فيديوهات في المطلق".
  بعد جدال و فصال استطعنا أن نقنع الطرفين، المنتجة و الضيوف، بحل وسط و هو تسجيل موافقة الضيف بالفيديو قبل اللقاء مع توقيعه على ملخص مترجم للنص الإنجليزي لا يتعدى بضعة سطور.
  حقوق الملكية الفكرية و التزامات الاستغلال للمواد و اللقاءات المصورة كانت عقبة في سبيلنا و كنا نعتبرها معوقات لا طائل من ورائها. لكنها في الحقيقة قوة دافعة كبيرة في مجال الإبداع و الابتكار و التصميم. ببساطة مفهوم الأصالة الذي فقد لدينا معناه و محتواه لكثرة ما حولنا من تقليد و تزييف و سرقة، لن يعود لرصانته و قوته و تأثيره؛ إلا لو عدنا لاحترام حقوق المؤلف، ليس مؤلف العمل الأصيل هو وحده المستفيد من نشر الوعي بملكيته الفكرية و حقوقه المادية و الأدبية؛ أيضاً كل المبدعين و العاملين في مجالات تفترض الإبداع و الابتكار و الذين أصبحوا يلجأون إلى الأسهل، و هو الغش و التقليد و السرقة: لماذا  تبدع ما دمت تستطيع نسخ إنتاج غيرك و بيعه بملايين لن تحصلها لو أنتجت عملاً أصيلاً لأن غيرك سيسرقه و يتربح منه بدلاً منك؟!
  القضية مركَّبة، و الوعي أساس تخطينا للمرحلة التي نحن عالقون بها، و هو ما تحققه مثل هذه الدورات التي أجد لزاماً علي أن أشكر كل المحاضرين و جميع المسؤولين أفراداً و مؤسسات  الذين رتبوا لها و نفذوها بمثل هذه الجودة التي تليق بأهمية الموضوع.*
أحمد صلاح الدين طه
*
  حاضر في هذه الدورة بترتيب المحاضرات: دكتور خالد فتح الله رئيس معهد الإذاعة و التليفزيون، و دكتور محمد حجازي رئيس مكتب حماية حقوق الملكية الفكرية، دكتور إبراهيم مصطفي مسؤول سلطة التصديق الإلكتروني الحكومي، أ.د. رشا علي الدين أستاذ القانون الدولي الخاص وكيل كلية الحقوق جامعة المنصورة، اللواء الدكتور محمد عبدالواحد رئيس مباحث الإنترنت و جرائم الحاسب بوزارة الداخلية المصرية .



الاثنين، أكتوبر 23، 2017

اللواء طارق المهدي و أكذوبة ماسبيرو الذي لا يراه أو يسمعه أحد



طبعاً غنيٌ عن التعريف. و أيضاً طلته الكاريزمية و روحه الودودة و تواضعه الجمُّ الذي يتقدم ذكاءً و دقة و حسماً؛ كل ذلك غني عن التعريف، هذا ما سمعته كثيراً ممن تعاملوا معه بشكل مباشر، و لا أنكر أنني بطبعي لا أميل لتصديق ما يبلغني بالسمع، و لا حتى من خلال وسيط بصري . لكنني أجزم الآن أن ما قيل عنه صادق، و بعض الحقيقة ما يذكر في سيرته الطيبة ، التي تعطر دائماً أحاديث أبناء ماسبيرو، و دعونا نتذكر أن القليلين جداً هم من يذكرون بمحاسنهم في أروقة ماسبيرو. هذه حقيقة لا داعٍ لإنكارها، و هي توضح بجلاء ما للرجل من فضل و ما يُشهد عنه من إخلاص و تفانٍ و حسن قيادة ما أحوجنا إليها اليوم.
إنه اللواء طارق المهدي الذي تولى زمام ماسبيرو في وقت عصيب، لا في تاريخ ماسبيرو فقط بل في تاريخ الأمة كلها، و كان نعم القائد، لم يغادر ماسبيرو إلا بعدما ترك محبته في كل استوديو، و كل مركز بث، و في كل مكتب.
قادتنا الظروف الحسنة للقائه، حيث توجهنا كفريق برنامج أطيب قلب لتصوير لقاء معه، و ما أنسبه من بطل لإحدى حلقات هذا البرنامج. عرفنا في لقائه كم يحب المبنى و يفخر به، و هو الذي لم يترك موضعاً إلا و أعلن فيه أن "ماسبيرو أمن قومي" حتى بعد سنوات من مغادرته المبنى لتولي بعض المسؤوليات الأخرى التي كلفته بها الإدارة السياسية، لم يتخل عن المبنى، و لازال يعلنها صدقاً و يقيناً: إن ماسبيرو مؤسسة إعلامية (بكل ما تحمله كلمة مؤسسة من معانٍ) سنخسر كثيراً لو تخلينا عنه أو تجاهلنا دوره.
سألناه في الكواليس –من باب الفضول- عن سبب إيمانه هذا  الذي لا يتزعزع رغم ما يقال عن أن التليفزيون الرسمي لم يعد يشاهده أحد؛ فأجابنا ببساطة أنه رجل عملي، و هو لا يعرف إلا لغة "واحد زائد واحد يساوي اثنين"، لذلك عندما بدأت الحرب ضد المبنى، و قيل نفس هذا الكلام أثناء توليه المسؤولية؛ لجأ إلى تجربة بسيطة، أمر بإذاعة  أغنية لأم كلثوم بين الأخبار، و في "عز المعمعة" كما يقال؛ فانقلبت الدنيا، و جاءته ردود فعلٍ كثيرة فهم من خلالها  أن ما يقال ليس إلا حرباً موجهة هدفها النيل من عزيمة من داخل المبنى، و القضاء على الصلة بين جماهير الشعب و الحكومة التي كان يمثلها باقتدار ماسبيرو على مدى عقودٍ طويلة، و من هذه اللحظة قرر عدم الالتفات لكل ما يقال، فالسلاح الوحيد الذي يجب الاعتماد عليه في هذه الحرب هو الاستمرار بنفس القدر من الجدية و الالتزام و الإخلاص.
حديث سيادة اللواء طارق المهدي لفت نظرنا للحظات لم نكن ندرك أهميتها في حينها، عندما توقف إرسال إحدى قنوات التليفزيون المصري الرسمي (ماسبيرو)  للحظات أو دقائق معدودة فانقلبت الدنيا، ليس في مصر فقط، بل على مستوى جميع دول العالم المهتمة بالمنطقة. هذا بينما في نفس الفترة تعثرت بعض الفضائيات الخاصة الشهيرة، بل و اختفت  تماماً من المشهد دون أن يلاحظ ذلك أحد إلا بعدها بشهور، فلو صح ما كانوا يرسمونه لأنفسهم من أهمية مدعاة، لالتفت أحد لذلك.. الأمر الذي لم يحدث أبداً.
إذاً، أيها الزملاء، لا تسمحوا لادعاءات المبطلين أن تحول دونكم و دون استمرار المسيرة. هذا هو الدرس الذي تعلمته اليوم من سيادة اللواء الذي لن تغيب عني ابتسامته الودودة، قبل أن نغادر مكتبه و هو يسألني:"أخبار الناس في المبنى أيه".
أحمد صلاح الدين طه









الباكي و المبكي عليه

الباكي و المبكي عليه

 احتفاء غير عادي بشاب ظهر على شاشات التليفزيون و هو يبكي أثناء مباراة مصر و الكونغو التي انتهت بفوز مصر. . الإعلام أو بالأحرى رجال الأعمال حولوه لأيقونة تتداولها القنوات و المواقع و سارعوا بتقديم الهدايا و الجوائز له باعتبار ما قام به شيئاً استثنائياً يستحق التقدير، لا بأس في ذلك؛ فمن حكم في ماله ما ظلم.

  المفارقة هنا لا تمس الشاب المتحمس المحب لبلده و الذي تأثر بشكل عفوي لطيف باللحظات الحاسمة في المباراة، أو هكذا بدا، المفارقة فقط - التي تخصنا - جاءت عندما تساءلنا عن مصور اللقطة الذي تقريباً لم يعرفه أو يشر إليه أحد، ربما لأن اللقطة صورها مصور تليفزيوني، و فيما يبدو أن المصور التليفزيوني يعتبره البعض من المغضوب عليهم أو الضالين.. ألا يبدو لكم ذلك صحيحاً؟ ألا تتحدث المواقع الآن عن كاميرات التليفزيون" التي "التقطت الصورة" و كأن الموضوع يأتي صدفة دون مهارة أو ترقب أو احتراف!!

  حتى المصورين الصحفيين يجدون من يحتفي بهم إذا حققوا إنجازا ما، من داخل مؤسساتهم الصحفية، و أيضاً من القنوات الفضائية. لكن المصور التليفزيوني عادة يواجه التجاهل، بل و نسبة عمله لآخرين غالباً لا يزيد إنجازهم عن كونهم كانوا برفقته أثناء التصوير.. أنا نفسي واجهت هذا الإحساس عندما خاطرت بنفسي يوماً لتصوير موقع حادث كان استثنائياً حينها، و احتفت بالتغطية وسائل الإعلام، و كانت اللقطات التي تداولها العالم إنجازاً حينها، و بعد ذلك شاهدت بنفسي المخرج الذي كان برفقتي و الذي كان دون شك عائقاً بالنسبة لي أثناء التصوير لأنه أراد انتظار أن تأتي الأوامر بالتصوير من رؤسائه الذين أحالوه للوزير الذي لم يكن هاتفه متاحاً، و بعد ذلك برامج التوك شو تستضيف المخرج للحديث عن (اللقطات) التي بالتأكيد لا تخصه، و هو نفسه يعرف ذلك، و ربما كان إحساسه ذلك هو ما جعله ( يندمج في الدور ) و يدعي أنه هو من صور اللقطات، و أن المصور - الذي هو أنا - كان "بيصلي" على حد قوله. و طبعاً لا أنسى حينها مداخلة الوزير على أشهر برامج التوك شو وقتها و هو يتحدث عن إنجازه في التغطية الإخبارية فور وقوع الحادث، و هو الذي كان وزيراً جديداً لازال، و في الغالب أثناء التغطية كان "في سابع نومة".

  نحن - مصورو التليفزيون سواء في ماسبيرو أو الفضائيات الخاصة - لا نريد من أحد مكافأة و لا عمرة. نحن نريد فقط بعض التشجيع لنستمر في حماسنا الذي تستفيدون أنتم منه، أنتم كجمهور أو حتى مسؤولين عن القنوات التليفزيونية.

أحمد صلاح الدين طه




الجمعية الجغرافية المصرية و المتحف الإثنوجرافي .. التاريخ الذي لا تجده دائماً في الكتب

الجمعية الجغرافية المصرية و المتحف الإثنوجرافي .. التاريخ الذي لا تجده دائماً في الكتب



  ليس كل التاريخ محفوظاً في الكتب، و ليست كل الآثار مردها إلى الفراعنة، هناك تاريخٌ حيٌ، و آثار صنعها المُحدثون لا تقل أهمية عن آثار الأقدمين. يكفيك لإدراك أهميتها أن تعرف أن خرائطها كانت ضمن الأدلة التي حسمت قضية طابا، فحررتها دون نقطة دم، و أعادتها لمصر، كما أن كلمة من هذه الجمعية أسهمت في مغادرة صنافير و تيران إلى أحضان وطن جديد حديث النشأة، و هجر أحضان العتيقة مصر إلى الأبد.

  أيضاً، يكفيك لمعرفة الخطر المحدق بها أن ترى المبنى المتهالك الذي تشغله، و تعرف أنه يقع بين مبنيين لا يقلان تاريخاً و عراقة و أهمية عن مبنى الجمعية، الأول احترق عن بكرة أبيه، و قضى الشعب المصري ليلة مأسوية يتابع عبر شاشات التليفزيون هلاك المبنى الذي كانت لازالت تسكنه أرواح عظماء مصر من أساطين و أعلام ذوي العزة و السعادة و الفخامة و الفَخار.. سياسيي البلد و أعيانها.. ذلك هو مبنى مجلس الشورى القديم الذي مهما أعيد بناؤه ما استقام أن يعود كما كان.

 أما المبنى الآخر الذي يبعد خطوات عنه و لا يقل أهمية عن جاريه، فقد كان مبنى المجمع العلمي، الذي أشعلت فيه النار هو الآخر ليلقى نفس المصير، ويضيع الكثير من كنوزه التي أكلتها النار بفعل فاعل.

  لماذا تهون علينا كنوزنا إلى هذا الحد؟

  هل تساءل أحد من مسؤولي الدولة، و قادتها السياسيين و العلميين، و الاقتصاديين، عن سبب وحيد جعل الجمعية الجغرافية المصرية بمقتنياتها التي لا تضاهى، و تاريخها الذي يعود إلى عام 1875م. أي قبل أكثر من مائة و اثنتين و أربيعين سنة، و هي الجمعية الجغرافية الأولى خارج أوروبا و الأمريكتين، و التاسعة عالمياً، كل هذا و لا تحظى بتغطية إعلامية و لا يعرفها عوام المصريين، و لا يؤمها الطلبة و الرواد، و حتى عندما تبحث عنها على الإنترنت لا تجد إلا نذراً يسيراً من الصور أو الفيديوهات ذات الجودة المحدودة، هذا بينما نظيراتها في العالم، تملأن السمع و البصر، بمشروعات التوثيق، و دعم رحلات كبار المصورين الفوتوغرافيين و السينمائيين و الفيديويين العالميين الذين تدعم رحلاتهم حول العالم و تدرس إنتاجهم، و تستعين بهم لدعم الباحثين و الرحالة و المستكشفين، و تبث قنوات تليفزيونية و تطبع مجلات شعبية عالمية بكل لغات الأرض تقريباً. كل هذا و جمعيتنا العريقة العتيقة لا تجد دعماً حتى لترميم مبناها، مبناها الأثري الذي كان يوماً مدرسة لبنات الخديوي إسماعيل، ثم مقراً لوكالة حكومة السودان.

  بصراحة حال المبنى و مقتنياته لا أقول "إنه يصعب على الكافر" لأن الكافر بنعمة الله و فضل الوطن لن يصعب عليه أبداً أن يرانا ندمر أثراً و مركزاً علمياً هاماً مثل هذا، بالتأكيد سيجد سعادته حيث حزننا و تراجعنا و تذيلنا أهل الأمم ممن فقناهم يوماً، و السؤال أخيراً: هل خلت مصر من أمثال كليبير هانم زوجة محمد راتب باشا سردار الجهادية ( وزير الحربية قديماً ) و التي أوقفت 590 فداناً في بسيون بمحافظة الغربية، و أرضاً أخرى بحلوان، و قصراً، كل هذا للإنفاق على الجمعية الجغرافية المصرية و نشاطها العلمي، النشاط الذي أصبح حالياً مرهوناً بتمويل ضعيف من مؤسسات الدولة؟!

  هل سنتجاهل هذا الصرح - كما تجاهلنا غيره - حتى نفيق يوما أو ربما نقضي السهرة و نحن نتفرج عليه ينهار أو يحترق كما حدث مع مجلس الشورى و المجمع العلمي قبل ذلك، ثم بعد ذلك نلتفت لأهميته و لثرواته التي لا تُثَمَّن و لا يمكن أن نحييها إذا انعدمت؟!


أحمد صلاح الدين طه
_____________________________
هامش: زُرت الجمعية الجغرافية والمتحف الإثنوجرافي لتصوير برنامج "نفسي أكون" من برامج الطلائع بالتليفزيون المصري إعداد أسامة العجمي و إخراج حسن العسال.





لوحة نادرة لفنانة تدعى فتحية ذهني من رائدات الفن التشكيلي في مصر مطلع



المحمل الشريف حيث كانت كسوة الكعبة تحمل كل عام من القاهرة إلى مكة و عه



صندوق الدنيا الذي طالما أمتع أجيالا بنوع خاص من فنون الفرجة


الزفة تتقدم التختروان حيث كانت تحمل العروس





















لا تقاطع و لو سلبوك التراب

لا تقاطع و لو سلبوك التراب

  طبعاً التراب ليس آخر ما لديك، و ليس الهدف الأخير الذي يريدون سلبك إياه، لكن لنكون مهذبين دعونا نعتبره كذلك، و دعنا نؤكد لك أنه ( رايح، رايح ) لا محالة. و مقاطعتك لشركات المحمول لعدة ساعات، أو ليوم، أو ربما بضعة أيام لن تغير من القدر شيئاً.. يا صديقي سلم و استسلم.

  مقاطعة شركات المحمول لن تجدي شيئاً، و لو كانت تُرجى منها أي جدوى لما تجرأ أحدٌ أيا من يكون و دعى أو روج لها.. المسألة برمتها لا تزيد عن تفريغ طاقة خوفاً من الكبت و ما أدراك ما الكبت!!

  لطالما سمعنا عن دعوات المقاطعة التي طالت كل ما طاله الغلاء، بدءاً بالبنزين، و ليس انتهاء بالبيض، لكن هل سمعنا غير أصوات تزعق و حناجر تُبح.. ثم ماذا؟ يذهب الضجيج جفاء و تبقى الأسعار على الأرض.. على الأرض، و ليس فيها.

  ربما كنت سأناصر دعوات المقاطعة لو توفرت إجابات لعدة أسئلة. أولاً: هل نجحت أي دعوات سابقة في خفض أسعار أي منتج؟ الإجابة لا، و حتى لو حدث ذلك فلن يعدو كونه تأثيراً وقتياً خادعاً.. ثم لا شيء.
ثانياً: هل حقاً يستحق التجار تكديس بضائعهم، أو تخفيض عائداتهم؟ الإجابة طبعاً أن التاجر غالباً واقع تحت نفس الضغوط، و في بعض السلع كان التجار أنفسهم متضررين من زيادة الأسعار، فالمستهلك، و بدون الحاجة لحملات إعلامية اضطر في السنوات الأخيرة للاستغناء عن الكثير من السلع، كما أنه حتى فيما يتعلق بالسلع الأساسية اضطر لخفض استهلاكه، في حدود المعقول، على الأقل حتى الآن. كل ذلك يمثل خسارة مباشرة على التاجر الذي اضطر في كثير من الحالات إلى تغيير أو حتى وقف نشاطه.
أما السؤال الثالث و الأخير: من صاحب المصلحة في توجيه سخط الجمهور إلى من لا يملك من الأمر شيئاً، و لن يقدم أو يؤخر مهما تعاظمت عليه الضغوط؟
هل حقاً المسألة برمتها تنحصر في جشع التجار؟ بالطبع، لا. فالجنيه الذي انخفضت قيمته، و المشتقات البترولية و الكهرباء التي قل الدعم عليها و الضرائب الجديدة التي فرضت.. كل ذلك، و غيره لا ذنب للتجار فيه، و لا يملكون حياله أي تصرف، لا بالحل و لا بالتعقيد.
و في النهاية يبقى مهرجان المقاطعة حفلاً شعبياً جميلاً أشبه بالموالد التي مهما طالت، لابد أن تنفض يوماً دون أثر.





دائرة الضوء و الخروج من البلاتوة

دائرة الضوء و الخروج من البلاتوة


  ربما الفكرة ليست جديدة، لكن المبادرة تستحق التقدير.. خرج التليفزيون أخيراً من بلاتوهاته إلى الشارع. و ليس المقصود هنا شارع الكورنيش على بعد خطوات من المبنى، كما أنه ليس خروجاً عشوائياً لاستطلاع آراء بعض المتجولين والمتسكعين والموظفين المزوغين من أعمالهم، أو للاحتفال بعيد قومي أو مولد سيدي فلان أو تغطية حدث أياً كان في أي مكان. لا، بل هو خروج منظم كما أعلنه الناقد الرياضي إبراهيم حجازي مقدم برنامج دائرة الضوء.. بدأ البرنامج خطة رائدة بنقل بثه كاملاً ليتم من محافظة مصرية جديدة كل شهر، لمدة أسبوع كامل ستصبح المحافظة المستهدفة محوراً لمواضيع الحلقات، و مركزاً لبث البرنامج، من الهواء الطلق، من أحد المواقع المميزة بالمحافظة و كأنها محطة بث تليفزيوني تتفرد بها كل محافظة و تستأثر بمعظم وقتها، فتتاح الفرصة لتقديم نقاط النور و بث روح التفاؤل و ترويج منتجات المحافظة دون ضوابط الإعلانات التقليدية التي تعوق عمل التليفزيون الرسمي دائماً.

البداية كانت من بورسعيد، و هو اختيار إلى حد بعيد موفق، فما أجدر هذه المحافظة التي لازالت تعتبر قاطرة للتنمية، أن يلقى الضوء عليها، ليس لإضفاء رونق أو لتحقيق رواج لمنتجاتها؛ فهي حقاً ليست بحاجة إلى شهرة، لكننا نحن المشاهدون في كل مكان بحاجة فعلاً لذلك الوهج، هذا الأمل الذي يشع على نفوسنا حينما نعرف أن الصورة ليست قاتمة كما يشاع. بل إن بريقاً لازال في ربوع مصر الذاخرة بمن لازالوا يؤمنون بالعمل و يثابرون عليه.

  بداية موفقة نرجو أن تستمر، كما نرجو ألا يركن القائمون على البرنامج إلى ما حققوه من نجاح مشهود، بل عليهم الاستمرار في تطوير الفكرة. أيضاً نرجو من السادة المحافظين و رجال الأعمال الاقتداء بما قدمته محافظة بورسعيد و محافظها اللواء عادل الغضبان، و رجال الأعمال بالمحافظة من دعم للفكرة، و للتليفزيون الرسمي، و ليس ذلك دعما جزافياً، كما يمكن أن يظن البعض؛ فأنت لن تقابل في بورسعيد إلا رجالاً عمليين لا يسقط القرش من أيديهم إلا في موضعه.. و هذا معناه الوحيد أنهم حسبوا حسبتهم مرة و ألف مرة، و عرفوا أن دعمهم سيعود عليهم و على أعمالهم بنفع عاجلاً و ليس حتى آجلاً.

  أخيراً، و نحن نهنئ القائمين على الهيئة الوطنية للإعلام وعلى رأسهم الأستاذ حسين زين رئيس الهيئة، و الأستاذ مجدي لاشين رئيس التليفزيون، لا بد من أن نهمس في آذانهم أن نجاح هذا البرنامج القائم بكفاءات جلِّها من رجال الهيئة، و مبدعيها، يجب أن يكون حافزاً لدراسة عناصر النجاح و تكييفها مع برامج الهيئة الأخرى. و هي كما يبدو واضحة جلية. بعضها مثلاً أن البرنامج يضع حاجات المواطن/المشاهد نصب الأعين. كما أن البرنامج يذاع و يعاد في ثلاث قنوات تليفزيونية و محطة إذاعية على الأقل، كما أن فريق السوشيال ميديا يعمل بدأب لإتاحة المواضيع و التقارير و اللقاءات مجزأة بما يناسب مشاهد الإنترنت على اليوتيوب و الفيسبوك و غيرها أولا بأول. مما يمنح المشاهد و المواد الإعلامية فرصة أكبر و ضوءاً أكثر سطوعاً و هو أساس للنجاح الإعلامي لا يستهان به و ينقص معظم برامج التليفزيون الأخرى بشكل ملحوظ مما يقلل فرصتها في المنافسة.. أيضاً خنق البرامج الأخرى بضوابط الرقابة و الإعلانات التي غالباً ما تكون مجرد معوقات بيروقراطية لا معنى لها، لكن الجميع دأبوا على اتباعها و السلام. إضافة إلى ذلك خروج البرنامج من خنقة الجدل داخل جدران الاستوديوهات، لابد سيضفي عليه رونقا لا يضاهى.

  لازال الطريق طويلاً، لكن للنجاح بهاء.

أحمد صلاح الدين طه






الحداد لا يكفي، و الفضائيات لا تشفي

الحداد لا يكفي، و الفضائيات لا تشفي


  نعم الفوضى الإعلامية لم يصنعها، و لا حتى يستطيع صنعها الفوضويون.. الفوضى صناعة مَن لم يضع نظاماً، و تصور أن كل شيء سيسير على ما يرام.

   ملاحظة بسيطة بعد ما حدث من تخبط معلوماتي أثار استياء الشارع المصري و قلقه الطبيعيان.. حتى من يعملون و يتعاملون مع ما يسمى بالمطبخ الإعلامي؛ ظهر جلياً من جهة تخبطهم و من جهة استياؤهم من الوضع الذي وجدوا أنفسهم فيه.. ربما لا ألوم الإعلام على ذلك، لكن علينا أن نعترف أن البيت بحاجة لترتيب.

  أولاً، لا أعتقد أن بيان الداخلية جاء متأخراً؛ فلا يُعقل أبداً أن تصدر الداخلية، أو الصحة أو رئاسة الحكومة بيانات أو تصريحات تتعلق بمهمة خطيرة و حساسة مثل ما وقع في الواحات بينما العملية في طور التنفيذ، لا يمكن أن يحدث ذلك في أي بلد، و لا يجب أن يحدث أبداً.

ما شكَّل أزمة حقيقية هو شغف الجمهور لمعرفة ما يحدث، ربما قلقاً على أبنائهم المشاركين في هذه العمليات الخطيرة، أو خوفاً على أولادهم المطمئنين في منازلهم غير بعيد عن الأحداث التي صارت قريبة للغاية، أو حتى انصياعاً لغريزة الخوف في أنفسهم. في المقابل الناس أصبحوا أكثر وعياً أن ما يعرض على وسائل التواصل لا يعدو كونه آراء و تجليات للبعض، و ما تذيعه القنوات الأجنبية غير منزه عن أغراض خفية مهما وصلت درجة مصداقية هذه القنوات علواً أو هبوطاً، لكن أخيراً: أن يذاع ما سمي بالتسريب، على قناة مصرية فضائية محلية خاصة، و من مذيع/صحفي لطالما تفاخر أنه(بتاع الداخلية)، و لم ينف ادعاءه أحدٌ  و أصبحنا كجمهور نسلم به، و يشاهده من لا يعتبرون أنفسهم من محبيه قبل محبيه؛ لأن كلامه دون شك - في اعتقادهم يمثل جهة رسمية رفيعة. كل ذلك صنع البلبلة.. هذه هي الفوضى التي صنعها غياب النظام، أو بلفظ أدق "سوء التنظيم".

  دون شك أصبحنا على وعي تام بأهمية ما يردده الخبراء، خبراء الإعلام، و خبراء التنظيم و الإدارة، و أساطين السياسة من أن أكبر خطأ تقع فيه الدولة هو محاولة إقصاء التليفزيون الرسمي، و نقل صلاحياته إلى قنواتٍ خاصة، أو لنقل شبه خاصة، قيل إنها تخضع لتوجهات الدولة و تدعمها، كل ذلك يمكن أن نعتبره فكراً جديداً، قابلاً للتجربة؛ لو كنا في ظروف أخرى.

  ما حدث من تخبط معلوماتي أخيراً يجب أن يلفت نظر رجال الدولة للسبب الرئيسي، و هو تعدد مصادر المعلومات، بينما المفترض في حادثة كهذه أن الدولة دون غيرها هي الجهة صاحبة الاختصاص، و من يذيع عن مصدر آخر فهو بالتأكيد يحصل على معلوماته من جهة مغرضة. التليفزيون الرسمي انتظر بياناً رسمياً و هو تصرف مهني يراعي الضمير و لا يمكن أن يلام عليه. القضية أن القنوات الخاصة التي تحاول الحفاظ على صورتها لدى المسؤولين في الدولة كمالكة لعقول المشاهدين، أرادت أن تسرق عيون المشاهدين و تقبض قلوبهم و لو بالتنازل عن المهنية التي لم تعد تساوي شيئاً في سوق الإعلام المصري.

  لابد للدولة من أن توحد الجهة التي يتلقى عنها الجمهورُ أنباء الدولة، طبعاً لا يعني ذلك غلق الفضائيات الخاصة؛ فقد تخطينا هذا الطور الذي تحتكر فيه الدولة وسائل الإعلام، لكن ببساطة على القنوات الخاصة أن تكون قنواتٍ خاصة، و على تليفزيون الدولة أن يكون تليفزيوناً رسمياً، كل البيانات و التصريحات و لقاءات الوزراء، و رئيس الوزراء و رئيس الجمهورية كل ذلك يجب أن يؤخذ عن محطة واحدة، و يمكن لجميع الجهات أن تأخذ عنه.. لو كان عامة المصريين يعرفون أن المصدر الأساسي للمعلومات هي تليفزيون الدولة لما تخبطوا بحثاً بين القنوات المختلفة، و لما لجأت هذه القنوات لإرضائهم بأي وسيلة و لو كانت مادة مفبركة أو حتى لا يجب إذاعتها في وقت معين.. أما إذا كان رجال الدولة يرون أن تليفزيونهم متعثر، فليس عليهم إلا أن يدعموه، بدلاً من التصفيق للحملات الموجهة ضده من جهاتٍ هي السبب لما نحن فيه الآن.

أحمد صلاح الدين طه

الثلاثاء، سبتمبر 26، 2017

لا أراكم الله مكروهاً في تليفزيون لديكم


لا أراكم الله مكروهاً في تليفزيون لديكم



  نعم.. نعلنها رغماً عنا.. التليفزيون تخطى مرحلة (طلوع الروح)، و على بابه يقف من قتلوا القتيل استعداداً للسير في جنازته.
  قبل سنوات قلائل كنا إذا تحدث أحد عن إمكان استبدال التليفزيون المصري بإحدى محطات رجال الأعمال؛ نضحك. فمن يقول إن تلك الكيانات الهزيلة التي لا ترقى لمستوى هيكلي يجعلنا نعتبرها مؤسسات إعلامية يمكن أن تجابه مؤسسة عريقة كماسبيرو يصفها أعداؤها قبل أبنائها بمصطلح "المبنى". لقد وصفها أحد الوزراء يوما بأنها "جمهورية ماسبيرو". و خشي الكثير من المسؤلين أن يتولوا زمامها، رغم أنهم (في عرض منصب)، ليس لشيء إلا لأنها أكبر كثيراً عددا و عدة من أن تكون مجرد شبكة تليفزيونية.

  حينها كانت ثقتنا لا حدود لها في أن التليفزيون يملك بنية تحتية، لا يمكن مضاهاتها. فلا يجب أن ينسى أحد أن البنية التحتية للإعلام الخاص و العام، المصري و العربي، أسسها ماسبيرو، و لازالت تعتمد إلى حد بعيد عليه. بل لازال يدفع فاتورة الفضائيات الأخرى التي تهاجمه و توسعه ضرباً - تحت الحزام - و لولاه، و لولا ديونه ما كانت و لا استقام لها ظهور.

  اليوم، اختلف الوضع كلياً؛ فالمبنى تمت، و تتم تصفيته من الداخل.
بعد سنوات كان التليفزيون يستهلك خلالها ما لديه، دون إنفاق تماماً على تطوير و دعم أو صيانة ذخيرته. انتهى وضعه الآن أن هذا التليفزيون الذي استطاع حتى وقت قصير مضى تغطية ربوع الجمهورية من أقصاها إلى أقصى أسقاعها. اليوم لا نجد سيارات للتصوير في أطراف القاهرة، و كم من أوردرات تصوير يتم إلغاؤها لعدم وجود سيارة، أو لأن السيارات المحدودة الموجودة لا يمكن إرسالها إلا إلى الأماكن القريبة حتى يتمكن السائق من توصيل عدة فرق، و ليت ذلك يتم على خير؛ فأعطال السيارات وصلت أنها تتعطل على الكورنيش أمام المبنى، أي أنها بالكاد تخطت ال (يو تيرن) و كفى. حتى عندما قيل إن سيارات جديدة ستدخل الخدمة؛ فوجئنا بالسيارات (الجديدة) موديل ألفين و عشرة، و (مركونة) في أحد الجراجات الحكومية لأكثر من ثلاث أو أربع سنوات، و لنتخيل: كيف سيكون أداؤها بعد هذه (الركنة)؟

  أما الكاميرات، و معدات التصوير و البث الأخرى؛ فماذا نقول عنها؟
  التليفزيون يملك أغلى و أفضل كاميرات التصوير، و معدات المونتاج، و البث و أعلاها في فئتها.
  صحيح، كان ذلك عندما اشتراها قطاع الهندسة قبل أكثر من خمس سنوات، لكن إذا أخذنا في الاعتبار أن تكنولوجيا التصوير خلال العقدين الماضيين أصبحت تتطور بسرعة الصواريخ؛ و سرعة الصواريخ نفسها أصبح لها معنى مختلف تماماً منذ اكتشاف الفمتوثانية.. معنى ذلك أن معدات التليفزيون، الرائعة، يفصلها عن العصر التكنولوجي الذي نعيشه سنوات ضوئية عديدة.. مع ذلك ليست تلك هي المعضلة؛ فلازال ماسبيرو يستطيع المنافسة بالتكنولوجيا العتيقة التي يملكها، لأنه ينافس في السوق المحلي، و سوق الإنتاج التليفزيوني في مصر سوق فقير، لا يغرنا الملايين التي يتقاضاها النجوم فيه، المنتجون الذين يدفعون هذه الأموال الضخمة للنجوم، ليسوا مستعدين لصرف ملاليم على المعدات. و هذه تفصيلة تضعفهم كمنافسين. لكن مشكلة التليفزيون الرسمي الضخمة تكمن في أن معداته بدأت تتآكل. طوال سنوات من الاستخدام الكثيف الذي قدم التليفزيون خلاله خدمات تليفزيونية و إذاعية مجانية استفادت منها الجهات الحكومية، و الفضائيات الخاصة، و الأجنبية، و حتى وكالات الإعلان. كل هذا جعل معظم المعدات في حالة يرثى لها باستثناء بعض الوحدات التي تستخدم في نقل الفعاليات المهمة الخاصة برئاسة الجمهورية، أو المباريات الرياضية المهمة التي ينتجها التليفزيون، و تذاع على فضائيات عديدة دون - حتى - إشارة للمصدر.

  عندما تصور بكاميرا تتحرك عدستها(الزووم)من نفسها، و ذراع تحريك الكاميرا مكسور، و ملصق بسوليتيب، و العدسة مبقعة لطول الأمد الذي استخدمت خلاله، و حامل الكاميرا مصاب بهشاشة أطرافه و خشونة مفاصله، و تحاول، و بعد أن تبذل جهدا و تسجل لقاءاً مهماً تكتشف أن الصورة بها عيوب تسجيل و غير صالحة للإذاعة، و كأنك تحرث البحر.

  لماذا لو - كانت هناك نية لبقاء التليفزيون - ترك كل هذه السنوات دون خطة واضحة تحافظ على مستوى بنيته التحتية كما كانت، و ذلك لا يتم إلا بتحديث المعدات، و تطويرها بما يناسب العصر. أم أن النية مبيتة لتصفيته من الداخل؟
  المعدات الموجودة تُستهلك، و الموظفون البرامجيون و الإداريون، و الفنيون يخرجون إلى التقاعد دون أن يتم تعويض (على الأقل التخصصات الأساسية التي أصبح فيها عجز حقيقي داخل المبنى) بشباب يدعمون الاستمرار، و الشباب عادة هم العنصر الأهم في العمل الإعلامي، و وجودهم هو الحياة لأي مؤسسة إعلامية، كل هذا و أبناء المبنى مشغولون بقضايا وهمية: الهيكلة التي مر عليها أكثر من خمسة أو ستة وزراء، منذ أيام صفوت الشريف و نحن نسمع عنها نفس الكلام دون جديد، نفس اللغط و الخوف و القلق و الترقب، ثم ماذا؟ هل تم ضم القنوات، هل تم تسريح العمالة، هل تم بيع القنوات المتخصصة، و تسليم القنوات الإقليمية للمحافظين و المحليات. لم يحدث شيء رغم أن هذا ما نسمعه كل مرة، و نقرأه في الصحف بتغيير صور المسؤولين ليس إلا.. و في آخر المطاف تم تكوين لجنة لتلقي مقترحات التطوير من العاملين!

  هل يعني ذلك ن المسؤولين ليست لديهم خطة تطوير حتى الآن؟!
و إذا كان الأمر كذلك، متى سيكوِّنون أطال الله أعمارهم، خطة للتطوير؟ هل سيكون ذلك بعد أن لا يبقى في ماسبيرو إلا الحوائط، و يصبح مبنى بلا بنية؟!


أحمد صلاح الدين طه

الخميس، أغسطس 03، 2017

دسباسيتو و أدب ديسباسيتو
Despacito

بورتو ريكو
   خلال أيام أصبحت الشغل الشاغل للعالم، حتى عندنا، نحن الذين لا نجد وقت فراغ بين حرب و ضرب، ثورة و ثورة مضادة، ماتش كرة و اعتداء جديد على الأقصى من قوى الاحتلال. حتى نحن و هذا حالنا نجد وقتاً للاستمتاع بأغنية ديسباسيتو و الترقص على أنغامها.. لا بأس، الترفيه مطلوب أيضاً، و "يعني هي جات علينا".

  تقبلنا ذلك، و اعتبرنا أننا "زينا زي غيرنا"، لكن فجأة تصدت وسائل الإعلام الجديد و العتيق لحملة عنيفة ضد كلمات الأغنية، التي لم نكن نفهمها و ربما لازال معظمنا يجهل معانيها. المذيعون في الفضائيات يصرخون:"انتوا فاهمين دي بتقول أيه؟!"، و الفيديوهات تنتشر سريعاً لشباب عربي لا يبدو من مظهرهم أنهم يمكن أن يكونوا مدافعين عن القيم و لا التقاليد و لا العقيدة. لولا أنهم يتحدثون العربية لما شككت لحظة في أنهم من بورتوريكو نفسها، و ربما لا يختلفون عن من يعملون في الملاهي الليلية لأي مدينة سياحية، لكنهم يصيحون بدهشة: "هذه كلمات قبيحة، كيف كنا نرددها، أووف".. تداري الفتيات أعينهن في خجل، و يتلعثم الفتية و يبتسمون بحياء غير مصطنع، و ما هذا كأن الجميع أصبحوا فجأة طيبين، مؤمنين، صالحين.. من سيدخل النار إذا؟
إذا كان الحياء منتشراً عندنا إلى هذه الدرجة، فعلى من ستقوم القيامة؟

  بصراحة، هذه الحملة - مثل غيرها من الحملات الإعلامية الصاخبة - أجد غصة في حلقي تجعلها غير "مبلوعة". نفس هؤلاء الطيبين كانوا يترقصون بالأمس القريب على نغمات أغانٍ أجنبية مثل (بووم بووم) و (باربي جيرل) تحمل من المعاني - سواء بالتلميح أو التصريح - أكثر بكثير مما تحمل هذه الأغنية. أيضاً هؤلاء أنفسهم دعموا إعلامياً إنتاج أنواعٍ من الانحطاط و الرداءة لا يمكن أبداً أن نعتبرها غناءً، و لا فناً، لكنهم جعلوها على كل لسان، و هي بالمناسبة تحمل من الألفاظ، و التلميحات، و الإشارات ما يعف معه القلم و اللسان أن يذكراه.

  إذاً، لماذا تابوا كلهم أجمعين، هكذا و في لمح البصر؟
  طبعاً نحن لا نحاسبهم على التوبة، ليس هذا شأننا، ربنا الهادي و هو قادر على كل شيء.
  لكن فقط نتساءل محاولة للفهم، حتى لا يتركوننا كالبطيخ في سوق العبور، يقلبه المشترون في أيديهم، دون حول و لا قوة.
  هل المسألة نوع من الحسد؟
ربما، فقد استطاعت الأغنية أن ترفع تقييم بورتوريكو على قائمة المواقع السياحية، و ستستطيع بذلك أن تدعم موقفها الائتماني بعد شهرين فقط من إعلان إفلاسها.

  لكن إذا كان الأمر كذلك؛ فعلينا أن نتريث قليلا، و لا نحملق في الكحكة التي في يد اليتيم، و أيضاً لا ننتظر أن تحل مشاكلنا أغنية، فأزمة السياحة عندنا لن تحلها لا أغنية، و لا حتى سيمفونية.

أحمد صلاح الدين طه












الأحد، يوليو 30، 2017

إنتاج النماذج الأثرية.. استنساخ الماضي تطلعاً إلى المستقبل


إنتاج النماذج الأثرية..

استنساخ الماضي تطلعاً إلى المستقبل



 دكتور عمرو الطيبي مدير مركز النماذج الأثرية

عابراً إلى الخارج من مطار القاهرة، دون شك ستدهشك إطلالة (سِرقت) المعبودة الفرعونية الحامية من لدغات العقارب. إطلالة مميزة، و دقة يتساءل معها البعض عن إمكانية أن تكون أثراً حقيقياً.. الواقع هي مجرد نموذج بسيط من إنتاج إدارة مخصصة لاستنساخ آثار مصر عبر العصور، بدقة متناهية و أمانة مدهشة.

ربما لا يعرف البعض أهمية إنشاء إدارة أو مركز كهذا، لكن بقليل من التفكير ستجد أن أهميته لا حدود لها.
هل لازلنا نذكر كيف استقدمت الدولة المصرية قبل سنوات فنانين و فنيين كوريين لإنتاج مجسمات و رسومات تعبر عن بطولات المصريين في حرب اكتوبر، ألا يشعرك ذلك بالتدني عندما تستجلب من يصور لك تاريخك الذي لا ينتمي إليه و لا يمثل بالنسبة له أكثر من ( سبوبة ) يرتزق منها بعض الوقت.. إذا كان ذلك يسوؤك فاعلم أن الأمر أكبر و أسوأ من ذلك بكثير، إنه لا يتعلق فقط بتلك الغصة التي تلحق أبناءك عندما يزورون بانوراما أكتوبر و يسألون عن من صنعها فيخبرهم القيمون على العرض أن "الكوريين فعلوها" إحساسك حينها أمام أبنائك أن: "حتى النصر اللي حيلتنا أصبح بعيون آسيوية ضيقة".. ذلك ليس كل شيء؛ فللموضوع أبعاد أخرى ثقافية و اقتصادية أيضاً.

  من الناحية الاقتصادية، عليك فقط أن تتجول في أسواقك السياحية، حاول أن تجد ما يعبر عنك أو ما ينتمي فعلاً لمصر. حاول أن تجد منتجاً أنت صانعه بيديك يشتريه السائح أو الزائر ليصدره إلى بلده و تكسب أنت و مجتمعك مقابله مالاً يزيد عن سمسرة التجارة و لو قليلاً.
  لازلت أذكر وجه زميلة صينية أرادت شراء بعض الهدايا من المنتجات المصرية تعود بها إلى أهلها و أصدقائها في بلدها، تعرفهم هناك بمصر، و تتذكر هي رحلتها كذلك. حينها أخذناها إلى خان الخليلي، سوق التحف الأشهر بالقاهرة. تجولت ساعتين ثم عادت إلينا خائبة تضحك أو ربما تضحك على خيبتنا، و تقول: " لم أجد إلا فراعنة صينيين صغاراً، كل التحف هنا (صناعة صينية) أكاد أعرف كل منتج وجدته في السوق أين صنع، و أستطيع تخمين أسماء الرجال و النساء الصينيين الذين صنعوه".
أي عار لحقنا بعدما سمعنا منها هذه الكلمات.

  أيضاً، للمسألة بعد ثقافي أهم، تستطيع فهمه عندما تتأمل أهمية النمذجة، إنتاج نسخ عن أصل ما يتحول مع الوقت و إضافات منتجيه، و هم -حتى لو حرصوا- سيضيفون إلى النموذج الذي يأخذون عنه من ثقافتهم و بيئتهم و ملامحهم التي نشأوا فيها و ربوا عليها. فقط تأمل المستنسخات المصنوعة تعبيراً عن المسيح عليه السلام، لتلاحظ أن هناك مسيحاً أوروبياً ( هو الأكثر شيوعاً ) بملامح أوروبية. أشقر بشعر أحمر و عينين فاتحتي اللون. في المقابل ستجد المسيح الإفريقي بملامح أقرب ما يكون لسكان القارة. بين هذا و ذاك هناك العديد من الصور و التصورات لملامحه عليه السلام. تنتشر إحدى هذه الصور هنا أو هناك تبعا لانتشار و تسيد و قوة ثقافة من صدرت عنهم.
تأمل أيضاً مثلاً كيف تستخدم مستنسخاتٌ عن نفس الأصل لتمثيل تواريخ و قصصاً مختلفة. بالتأكيد مرت عليك صورة مار جرجس يصارع التنين، و هي نفسها يستخدمها صناع الرسوم الشعبية للتعبير عن أبو زيد الهلالي، و غير ذلك الكثير.

 إذاً، لو تركنا غيرنا يستنسخ لنا حضارتنا و ثقافتنا، علينا بعد زمن ألا نلوم إلا أنفسنا على محو هويتنا، رويداً رويداً. عندما نجد، و هو واقع قريب، ملامح المستنسخات الفرعونية و قد نحتت على نماذج لا تنتمي لا للفراعنة و لا أحفاد الأرض السوداء التي ورثناها. عندما نجد إمحوتب و قد صار مهندساً صينياً، و عمال بناء الأهرام هنديين، و نجد الرعامسة و قد صاروا حضارة بملامح بني إسرائيل.

  أما إذا أردنا اللحاق بالركب، و إنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فعلينا أن ندعم هذا المشروع و نتعامل معه كمشروع ثقافي و اقتصادي قومي. من ناحية الإنتاج الكمي لهذه المستنسخات، بمثل هذه الجودة التي لاحظناها، يمكن أن يعود بدخل لا يستهان به، فحتى لو لم تتعاف السياحة - لا قدر الله - قريباً سيظل تسويق هذه المنتجات عبر الإنترنت، و في الأسواق الخارجية متاحاً و سهلاً. و عندما يعود الأجانب إلى أسواقنا سيكون بإمكانهم أن يجدوا الملك توت كما تركوه، و يبقى توتُ توتاً واحداً.. يبقى توت عنخ آمون.

أحمد صلاح الدين طه

نفرتيتي









الأحد، يوليو 23، 2017

الموت على الهواء و من أجله أحياناً

الموت على الهواء و من أجله أحياناً
Irza Khan
Irza Khan

  هذا من العناوين الشيقة دائماً و التي تحقق أعلى نسب المشاهدات على مواقع الفيديو الشهيرة: " شاهد موت المذيعة على الهواء مباشرة "، أو أحياناً لا يكون الموت متعلقاً بمذيع أو مذيعة، لكن فقط أي شخص شهير، لاعب كرة، لاعب ساكس، أو أي لاعب في أي مجال.. ربما لا يكون الموضوع - أيضاً - مرتبطاً باللعب فقد يكون المرصود مصلياً تنتهي حياته ساجداً لله، أو عاكفاً على الصلاة (أياً ما كان دينه) المهم أن يكون على الهواء، و أن يدركه ملك الموت فيفقد السيطرة على جسده رويداً تجحظ عيناه، و تتراخى أطرافه، و يسقط؛ فيصيح الجمهور عبر الانتشار التفاعلي العنكبوتي سبحان الله، و غالباً سيداومون لفترة على الاستغفار، و يواظبون على الصلاح حيناً إلى أن تشغلهم الملاهي و ينسون.

  هذا تماماً ما حدث مع المذيعة الباكستانية إيرزا خان منذ أيام. مذيعة في مقتبل العمر لم تتخط الثمانية و العشرين عاماً، و هي تقدم فقرة ما على الهواء مباشرة، من مكان مكتظ بالبشر، و هو أمر عادي في بلد كثيف السكان مثل باكستان. فجأة ظهرت عليها علامات لا يفسرها الجمهور إلا بأن روحها تصَّعَد إلى حيث تنتهي كل روح إذا آن أوانها.. و سقطت.. سقطت بين جموع الناس الذين سارعوا إليها محاولين إنقاذها، لو كانوا يستطيعون. و بدا أنهم لم يستطيعوا.

   حملها بعضهم و غادر الصورة بينما زميلتها في الاستوديو منهارة تنوح، مذهولة لا تعرف ما تقول و قد بدت النهايات أمامها هكذا بسيطة إلى هذه الدرجة، مهما كان الجسد نابضاً، و الروح بضةً تشع حيوية و شباباً، يمكن أن ينتهي كل شيءٍ في لحظة، و خلال طرفة عين - كما يقال - يغير الله الحال إلى محال. لكن القصة لم تنتهِ؛ فقد كانت المفاجأة بعد أيام.

  بعد أيام تبارى فيها رواد وسائل التواصل، و أبناء المهنة، و محترفو الإعلام جديده و قديمه في التباكي و الاستغفار لأنفسهم و لها، كما راح البعض يستغل القصة للوصول إلى تعاطف جمهورهم، و الانتشار و جلب المزيد من الإعلانات، بعد كل ذلك ظهرت المذيعة من جديد و أبدت امتنانها لمن تعاطفوا معها، و انبهارها لوصولها إلى انتشار و شهرة و رواج ما كانت لتحققهم لو ظهرت آلاف الساعات على شاشات التليفزيون. لكنها أكدت أنها لازالت على قيد الحياة.

  هل تبدو تلك نهاية الموضوع؟
  بالنسبة لنا، لا.
  القصة أكبر من سقوط مذيعة عن كرسي و تصور الجمهور أنها ماتت. القصة بدأت فعلاً عند هذه النقطة، فبملاحظة بسيطة نرى عند سقوط المذيعة أنها تجلس على كرسي مهترئ، موضوع فوق رافعة غير مجهزة لأداء مثل هذا الدور، حتى أن الرافعة بمجرد سقوط حمل المذيعة اندفعت في الهواء حاملة أحد أفراد فريق العمل و الذي فيما يبدو كان دوره ( موازنة الثقل ) حتى ينتهي البث، و هو ما لم يستمر إلا لحظاتٍ انتهت بإصابة المذيعة بالدوار، و سقوطها بين جمهور من الناس ليس فيهم مسعف واحد، و هو ما يحدث عندنا في دول العالم الثالث يومياً.. نحن أيضاً نعيش نفس الظروف كل يوم، نغامر و نحاول أن نصنع شيئا من لاشيء، لكن ذلك فيما يبدو ليس شطارة منا، بل هو شطارة من أصحاب العمل، مديري القنوات و الوكالات و شركات الإنتاج الذين نجحوا في إقناع جميع العاملين في الميديا أن ذلك هو الاحتراف، فلابد للمحترف ألا يطالب ببيئة عمل سوية، فلا تأمين له أثناء مخاطرته، و لا مراعاة لآدميته عندما يحتاج راحة، لا إجازات، و لا ساعات عمل. لا خوف من الرصاص و أنت تقف أمامه بصدر مفتوح، و لا تطلب خوذة و أنت تقف تحت سقف آيل للسقوط.. استطاعوا إقناعك و إقناعي إقناع الجميع أن ذلك رفاهية لا يطالب بها إلا الهواة، لكننا اكتشفنا فقط بعد خبرات مؤلمة أن الهواة فقط هم من لا يهتمون بالعمل في بيئة آمنة، و لا يؤمنون أنفسهم.. المحترفون في كل العالم يحرصون على حقوقهم قبل أن يؤدوا واجباتهم. لأن من لا يفهم الراحة، لا يجيد العمل.

أحمد صلاح الدين طه


Irza Khan
Irza Khan


Irza Khan
Irza Khan


Irza Khan
Irza Khan





الخميس، يوليو 20، 2017

الإفراط في السعادة، بين أطيب قلب و معهد الإذاعة والتليفزيون

الإفراط في السعادة، بين أطيب قلب و معهد الإذاعة والتليفزيون

  بالأمس، كنت أصور حلقة من برنامج ( أطيب قلب )، و التفت انتباهي بشدة لواحد من أسئلة المعد النابه محمد نبيه، بسلاسته المعتادة و دقته التي ألفناها، سأل ضيفَنا و هو واحد من الناجين من براثن المخدرات:"أثناء إدمانك، هل أحببت ( هل وقعت في الحب )؟"
المذهل حقاً - أكثر من ذلك - كان إجابة الضيف: لم يكن الحبُّ ممكناً؛ عندما تقع في الحب، يفرز جسمك مادة هي المسؤولة عن شعورك بالسعادة.. المخدرات تحفز المخ لإنتاج هذه المادة باستمرار مما يجعل المدمن لا يستطيع التمييز بين السعادات التي ينالها وهمياً بشكل متواصل، فلا يعود يشعر بالسعادة، بل من المتوقع أن تتحول مع الوقت لاكتئاب ربما أنهى حياته على إثره.

  هكذا إذا، كما قال الأقدمون:"ما زاد عن حده؛ انقلب ضده"، حتى السعادة الإفراط فيها تفريط.

 
 إذا ما علاقة ذلك بمعهد الإذاعة و التليفزيون؟
ببساطة عندما استيقظت اليوم، فوجئت بإعلانات كثيرة عن دورات جديدة للمعهد، ذلك أمر جيد؛ العديدون انتظروا بداية العام المالي الحالي لبدء الدورات الجيدة و المهمة التي يعقدها المعهد. لكن لا أشك أن العديدين - مثلي - أصابهم الذهول عندما وجدوا المعهد يعلن أن الدورات الجديدة ستكون بمقابل مالي للجميع، بمن فيهم العاملون في الهيئة الوطنية للإعلام.

  ليس سيئاً أن يقدم المعهد دورات تدريبية بمصروفات، على العكس، هذه الفكرة طالما وقفنا إزاءها داعمين و مؤيدين، بل و انتظرنا أن يتم تطبيقها بفارغ الصبر؛ فدون شك تتكلف دورات المعهد مبالغ هائلة كل سنة، و هو أمر لم تعد الدولة تستطيع تحمله، و في نفس الوقت توجد العديد من المراكز و المعاهد الأقل تجهيزاً، و التي لا تضم كل هذه الكفاءات التي يتعاقد معها المعهد للتدريس و التدريب فيه، و هم أساتذة سواء في الحقل الأكاديمي، أو في المجال العملي، تجني هذه المراكز أرباحا طائلة ، و العديد منها لا يقدم للدارسين إلا القليل مما يمكن للمعهد تقديمه.

  هذا أمرٌ جيد، لكن الإفراط في ذلك، عندما يصل إلى التفريط في الدور الأساسي للمعهد يستلزم منا وقفة للفت نظر أساتذتنا القائمين عليه، لا سيما أستاذنا الدكتور خالد فتح الله الذي نشهد له بالإخلاص و الاجتهاد في التطوير و الرغبة الحقيقية للنهضة بماسبيرو مهنيا و اقتصادياً، لكن أستاذنا يجب أن لا ننسى أن الدور الأساسي للمعهد هو تطوير الأداء للعاملين في المبنى، و أيضاً التعاون في مجال التدريب مع المؤسسات التليفزيونية في الدول الشقيقة و الصديقة. هذه أهداف يجب أن تؤخذ في الاعتبار، و لا يجب أن يوضع في سبيلها أي عقبات، حتى لو كانت هذه العقبات ستعود بعائد ما على المعهد أو الهيئة، لأنه عائد وهمي، ما فائدة بضعة آلاف من الجنيهات، لو أتت ستكون خصماً من دخول العاملين التي أكلتها فعلياً زيادات الأسعار، مما سيجعل أبناء المبنى يفكرون مرة و ألف مرة قبل الانضمام لأي دورة، أين هذا من الحوافز التي كانت تقدم لهم يوماً لتشجيعهم على الاستمرار في التعلم، أذكر أننا كنا نحصل على مكافآت مالية عندما ننهي كل دورة تدريبية نلتحق بها، مع معاقبة من يرسب فقط بدفع تكاليف الدورة، هذا أمر لا خلاف فيه.

  لذلك نرجو من الدكتور خالد فتح الله، و معه النخبة القائمة على إدارة معهد الإذاعه و التليفزيون أن يراجعوا مسألة مصاريف الالتحاق بدورات المعهد، حتى لا ينتهي الأمر بإحجام العاملين عن الاهتمام بالتطوير المهني، و ذلك ما لا نود أبداً أن نصل إليه.

أحمد صلاح الدين طه