آخر الأخبار

الأحد، يوليو 23، 2017

الموت على الهواء و من أجله أحياناً

الموت على الهواء و من أجله أحياناً
Irza Khan
Irza Khan

  هذا من العناوين الشيقة دائماً و التي تحقق أعلى نسب المشاهدات على مواقع الفيديو الشهيرة: " شاهد موت المذيعة على الهواء مباشرة "، أو أحياناً لا يكون الموت متعلقاً بمذيع أو مذيعة، لكن فقط أي شخص شهير، لاعب كرة، لاعب ساكس، أو أي لاعب في أي مجال.. ربما لا يكون الموضوع - أيضاً - مرتبطاً باللعب فقد يكون المرصود مصلياً تنتهي حياته ساجداً لله، أو عاكفاً على الصلاة (أياً ما كان دينه) المهم أن يكون على الهواء، و أن يدركه ملك الموت فيفقد السيطرة على جسده رويداً تجحظ عيناه، و تتراخى أطرافه، و يسقط؛ فيصيح الجمهور عبر الانتشار التفاعلي العنكبوتي سبحان الله، و غالباً سيداومون لفترة على الاستغفار، و يواظبون على الصلاح حيناً إلى أن تشغلهم الملاهي و ينسون.

  هذا تماماً ما حدث مع المذيعة الباكستانية إيرزا خان منذ أيام. مذيعة في مقتبل العمر لم تتخط الثمانية و العشرين عاماً، و هي تقدم فقرة ما على الهواء مباشرة، من مكان مكتظ بالبشر، و هو أمر عادي في بلد كثيف السكان مثل باكستان. فجأة ظهرت عليها علامات لا يفسرها الجمهور إلا بأن روحها تصَّعَد إلى حيث تنتهي كل روح إذا آن أوانها.. و سقطت.. سقطت بين جموع الناس الذين سارعوا إليها محاولين إنقاذها، لو كانوا يستطيعون. و بدا أنهم لم يستطيعوا.

   حملها بعضهم و غادر الصورة بينما زميلتها في الاستوديو منهارة تنوح، مذهولة لا تعرف ما تقول و قد بدت النهايات أمامها هكذا بسيطة إلى هذه الدرجة، مهما كان الجسد نابضاً، و الروح بضةً تشع حيوية و شباباً، يمكن أن ينتهي كل شيءٍ في لحظة، و خلال طرفة عين - كما يقال - يغير الله الحال إلى محال. لكن القصة لم تنتهِ؛ فقد كانت المفاجأة بعد أيام.

  بعد أيام تبارى فيها رواد وسائل التواصل، و أبناء المهنة، و محترفو الإعلام جديده و قديمه في التباكي و الاستغفار لأنفسهم و لها، كما راح البعض يستغل القصة للوصول إلى تعاطف جمهورهم، و الانتشار و جلب المزيد من الإعلانات، بعد كل ذلك ظهرت المذيعة من جديد و أبدت امتنانها لمن تعاطفوا معها، و انبهارها لوصولها إلى انتشار و شهرة و رواج ما كانت لتحققهم لو ظهرت آلاف الساعات على شاشات التليفزيون. لكنها أكدت أنها لازالت على قيد الحياة.

  هل تبدو تلك نهاية الموضوع؟
  بالنسبة لنا، لا.
  القصة أكبر من سقوط مذيعة عن كرسي و تصور الجمهور أنها ماتت. القصة بدأت فعلاً عند هذه النقطة، فبملاحظة بسيطة نرى عند سقوط المذيعة أنها تجلس على كرسي مهترئ، موضوع فوق رافعة غير مجهزة لأداء مثل هذا الدور، حتى أن الرافعة بمجرد سقوط حمل المذيعة اندفعت في الهواء حاملة أحد أفراد فريق العمل و الذي فيما يبدو كان دوره ( موازنة الثقل ) حتى ينتهي البث، و هو ما لم يستمر إلا لحظاتٍ انتهت بإصابة المذيعة بالدوار، و سقوطها بين جمهور من الناس ليس فيهم مسعف واحد، و هو ما يحدث عندنا في دول العالم الثالث يومياً.. نحن أيضاً نعيش نفس الظروف كل يوم، نغامر و نحاول أن نصنع شيئا من لاشيء، لكن ذلك فيما يبدو ليس شطارة منا، بل هو شطارة من أصحاب العمل، مديري القنوات و الوكالات و شركات الإنتاج الذين نجحوا في إقناع جميع العاملين في الميديا أن ذلك هو الاحتراف، فلابد للمحترف ألا يطالب ببيئة عمل سوية، فلا تأمين له أثناء مخاطرته، و لا مراعاة لآدميته عندما يحتاج راحة، لا إجازات، و لا ساعات عمل. لا خوف من الرصاص و أنت تقف أمامه بصدر مفتوح، و لا تطلب خوذة و أنت تقف تحت سقف آيل للسقوط.. استطاعوا إقناعك و إقناعي إقناع الجميع أن ذلك رفاهية لا يطالب بها إلا الهواة، لكننا اكتشفنا فقط بعد خبرات مؤلمة أن الهواة فقط هم من لا يهتمون بالعمل في بيئة آمنة، و لا يؤمنون أنفسهم.. المحترفون في كل العالم يحرصون على حقوقهم قبل أن يؤدوا واجباتهم. لأن من لا يفهم الراحة، لا يجيد العمل.

أحمد صلاح الدين طه


Irza Khan
Irza Khan


Irza Khan
Irza Khan


Irza Khan
Irza Khan





الخميس، يوليو 20، 2017

الإفراط في السعادة، بين أطيب قلب و معهد الإذاعة والتليفزيون

الإفراط في السعادة، بين أطيب قلب و معهد الإذاعة والتليفزيون

  بالأمس، كنت أصور حلقة من برنامج ( أطيب قلب )، و التفت انتباهي بشدة لواحد من أسئلة المعد النابه محمد نبيه، بسلاسته المعتادة و دقته التي ألفناها، سأل ضيفَنا و هو واحد من الناجين من براثن المخدرات:"أثناء إدمانك، هل أحببت ( هل وقعت في الحب )؟"
المذهل حقاً - أكثر من ذلك - كان إجابة الضيف: لم يكن الحبُّ ممكناً؛ عندما تقع في الحب، يفرز جسمك مادة هي المسؤولة عن شعورك بالسعادة.. المخدرات تحفز المخ لإنتاج هذه المادة باستمرار مما يجعل المدمن لا يستطيع التمييز بين السعادات التي ينالها وهمياً بشكل متواصل، فلا يعود يشعر بالسعادة، بل من المتوقع أن تتحول مع الوقت لاكتئاب ربما أنهى حياته على إثره.

  هكذا إذا، كما قال الأقدمون:"ما زاد عن حده؛ انقلب ضده"، حتى السعادة الإفراط فيها تفريط.

 
 إذا ما علاقة ذلك بمعهد الإذاعة و التليفزيون؟
ببساطة عندما استيقظت اليوم، فوجئت بإعلانات كثيرة عن دورات جديدة للمعهد، ذلك أمر جيد؛ العديدون انتظروا بداية العام المالي الحالي لبدء الدورات الجيدة و المهمة التي يعقدها المعهد. لكن لا أشك أن العديدين - مثلي - أصابهم الذهول عندما وجدوا المعهد يعلن أن الدورات الجديدة ستكون بمقابل مالي للجميع، بمن فيهم العاملون في الهيئة الوطنية للإعلام.

  ليس سيئاً أن يقدم المعهد دورات تدريبية بمصروفات، على العكس، هذه الفكرة طالما وقفنا إزاءها داعمين و مؤيدين، بل و انتظرنا أن يتم تطبيقها بفارغ الصبر؛ فدون شك تتكلف دورات المعهد مبالغ هائلة كل سنة، و هو أمر لم تعد الدولة تستطيع تحمله، و في نفس الوقت توجد العديد من المراكز و المعاهد الأقل تجهيزاً، و التي لا تضم كل هذه الكفاءات التي يتعاقد معها المعهد للتدريس و التدريب فيه، و هم أساتذة سواء في الحقل الأكاديمي، أو في المجال العملي، تجني هذه المراكز أرباحا طائلة ، و العديد منها لا يقدم للدارسين إلا القليل مما يمكن للمعهد تقديمه.

  هذا أمرٌ جيد، لكن الإفراط في ذلك، عندما يصل إلى التفريط في الدور الأساسي للمعهد يستلزم منا وقفة للفت نظر أساتذتنا القائمين عليه، لا سيما أستاذنا الدكتور خالد فتح الله الذي نشهد له بالإخلاص و الاجتهاد في التطوير و الرغبة الحقيقية للنهضة بماسبيرو مهنيا و اقتصادياً، لكن أستاذنا يجب أن لا ننسى أن الدور الأساسي للمعهد هو تطوير الأداء للعاملين في المبنى، و أيضاً التعاون في مجال التدريب مع المؤسسات التليفزيونية في الدول الشقيقة و الصديقة. هذه أهداف يجب أن تؤخذ في الاعتبار، و لا يجب أن يوضع في سبيلها أي عقبات، حتى لو كانت هذه العقبات ستعود بعائد ما على المعهد أو الهيئة، لأنه عائد وهمي، ما فائدة بضعة آلاف من الجنيهات، لو أتت ستكون خصماً من دخول العاملين التي أكلتها فعلياً زيادات الأسعار، مما سيجعل أبناء المبنى يفكرون مرة و ألف مرة قبل الانضمام لأي دورة، أين هذا من الحوافز التي كانت تقدم لهم يوماً لتشجيعهم على الاستمرار في التعلم، أذكر أننا كنا نحصل على مكافآت مالية عندما ننهي كل دورة تدريبية نلتحق بها، مع معاقبة من يرسب فقط بدفع تكاليف الدورة، هذا أمر لا خلاف فيه.

  لذلك نرجو من الدكتور خالد فتح الله، و معه النخبة القائمة على إدارة معهد الإذاعه و التليفزيون أن يراجعوا مسألة مصاريف الالتحاق بدورات المعهد، حتى لا ينتهي الأمر بإحجام العاملين عن الاهتمام بالتطوير المهني، و ذلك ما لا نود أبداً أن نصل إليه.

أحمد صلاح الدين طه

هل التليفزيون المصري رسمي؟

هل التليفزيون المصري رسمي؟


  كلمة رسمي هذه ليست كلها مزايا؛ فقد تستخدم للقدح كما تستخدم للمدح. أيضاً قد تعبر عن المكانة أو تستخدم للإدانة. إذا تلت اسم هيئة دل ذلك على أنها مضمونة بضمان الدولة، و إذا تلت مسبة اعتبرت دليلاً على وصول المسبوب أقصى درجات التدني. أما إذا ألحقت بكلمة تليفزيون، فهي تعني دون شك في مصر - حتى الآن - ماسبيرو، لكن هل ستستمر طويلاً عالقة بالاسم أم هي على وشك الانحلال عنه؟

  هناك بوادر لا يطمئن القلب لها؛ فلكي يكون لديك تليفزيون رسمي يجب أن يكون قبل أي شيء رسمياً. هذه الصفة التي يصعب اعتبارها لازالت تمثل الواقع.

  قبل سنوات عندما كانت ظروف عملنا تجعلنا موجودين داخل وكالات أو مكاتب أخبار تابعة لقنوات أجنبية، كان معنى أن يكون ماسبيرو التليفزيون المصري الرسمي حاضراً تماماً، فحتى و المراسلون الأجانب تصلهم أخبار حصرية عن مصادر موثوقة كانوا يرفضون بحسمٍ إذاعة هذه الأخبار، و يتوجهون مباشرة إلى شاشات التليفزيون المفتوحة دائما أمامهم على القنوات الرئيسية لماسبيرو الأولى و الفضائية المصرية و النايل تي في، و مؤخرا النيل للأخبار أيضاً. كانوا يتساءلون باستمرار:" التليفزيون المصري قال أيه؟".

  حينها كانت تغطية قناة إقليمية لمشكلة في حي من الأحياء كفيلة بحلها من جذورها، و كان تقرير على القناة الثالثة كفيل بتغيير وزير أو وزارة لمصلحة الدولة و الجماهير معاً.

   قوة التليفزيون الرسمي هي مؤشر مباشر لقوة الدولة، و عدالة توجهاتها الإصلاحية، و صلاح نواياها فيما تقوم به من إجراءات.

   أيضاً، قوة التليفزيون الرسمي لا تأتي إلا باعتماد مؤسسات الدولة عليه، و جعله النافذة الوحيدة و الذراع الإعلامي المعتمد للأجهزة التنفيذية و التشريعية، ففي نهاية الأمر لا بد من التعامل مع أجهزة الدولة كجسد واحد، و إذا كان كل وزير يخرج على الناس من قناة مختلفة كل مرة بتصريحات مصيرية تمس حياتهم بشكل مباشر، فذلك معناه أن مؤسسات الدولة مفككة، و "كل واحد ماشي على هواه".

   إذا كانت الدولة تريد حقاً إصلاح ماسبيرو؛ و إذا كانت لديها نية، لمنع انتشار الشائعات أو تحجيم آثارها، عليها قبل أي شيء أن تعيد ماسبيرو تليفزيوناً رسمياً.

الأحد، مايو 14، 2017

عن مواهب ماسبيرو التي يحتاجها السيد مكرم

 هناك معزوفة عالمية اشتهرت في التسعينيات في فيلم يحمل نفس اسمها، يطلق عليها بالعربية "الدخول إلى الجنة"، نفس الاسم يمكن ترجمته أيضاً (احتلال الجنة) أو غزو الجنة، بصراحة عندما قدم الأستاذ مكرم محمد أحمد إلى ماسبيرو؛ بدا و كأنه قادم فقط لغزوه واحتلال مكتب صفوت الشريف تحديداً.
  لا نعرف ما السر وراء الرغبة العارمة لديه لتحقيق نصر ما على ذكرى الوزير الأسبق، ضابط المخابرات الأسبق، رئيس مجلس الشورى الأسبق صفوت الشريف الذي يستمتع حالياً بحياة الظل بعيداً عن ضجيج المناصب الرسمية.
  فوجئنا جميعاً بتواتر الأخبار عن وقوف الأستاذ الفاضل إزاء مكتب الوزير، يصيح و كأنه (دون كيخوت) يواجه طواحين الهواء أو هذا ما صوره الشاهدون، و أخذ يصيح، و العهدة على مواقع الأخبار:" افتحوا لي مكتب صفوت الشريف".
البعض أضاف أيضاً عبارات ربما تكون من قبيل التشويق و الإثارة مثل:" أريد أن أجلس على مقعده".

  هل قال ذلك أم لا؟
   لا يهم، المهم أنه بالتأكيد بعدما استقر خلف مكتب الوزير لم يجد نفسه في الجنة، و راح يصرِّح على شاشاتٍ -غير رسمية- أن ماسبيرو ينقصه المواهب.

كلمة بصراحة كفيلة بإثارة سكان المبنى والمباني المجاورة.
كيف يتهمهم بذلك رجلٌ قادمٌ من حقل بعيد كل البعد عن المبنى، و معرفته بالمبنى لم تتخط إعجابه بمكتب الوزير، الذي طالما دخله كزائرٍ في مهماتٍ رسمية (صحفية أو ربما غير صحفية) و انتهت دائماً مهامه عند بوابة كبار الزوار.

 رغم أني مثل العديدين سخطت عندما قرأت عن التصريح المشين، لكن دائما تذهب السكرة و تأتي الفكرة، و إذا تريثنا قليلاً ربما وجدنا بعض الصحة فيما قاله.
  كلنا نعرف أن أداءنا كجهاز إعلام فيه قصور، و بما أن الأستاذ مكرم قادم من عالم الورق، الصحافة المكتوبة الكلاسيكية؛ فلابد من أن يجد من يعينه ليعرف أكثر عن التحديات التي يواجهها، و أعتقد أن ذلك ليس صعباً.

 السؤال الذي يجب أن نجيب لسيادته عنه، هو: ما نوعية المواهب التي يحتاجها المبنى؟ و هل الصورة الساذجة التي تقول إن المواهب الحقيقية هجرت المبنى، و أن الباقين إما عديمو الموهبة، تنابلة، أو حواة عملاء يعملون داخل المبنى لصالح نجاح قنوات أخرى يعملون فيها سراً أو علناً، و يهملون عملهم في ماسبيرو؟

  الاعتراض كليا على مثل هذه الأفكار أو إنكارها نوع من التدليس. هذه الصورة موجودة فعلياً عندنا كما في المصالح الحكومية الأخرى، لكن التعميم، أو تعليق الفشل عليها خطأ كلياً؛ فرغم كل شيء يستطيع من يتابع التليفزيون المصري أن يجد كماً لا يستهان به من البرامج والمواد التليفزيونية عالية الجودة. ربما لا يشاهدها سيادته لانشغاله بمتابعة القنوات الخاصة، لكنها موجودة. و لو كلف نفسه بمتابعة البرامج لأدرك ذلك.

   إذا، التليفزيون لا ينقصه المواهب التليفزيونية، لكنه يحتاج مواهب من نوع آخر هي السبب في تراجع نسبة مشاهدته و تراجع معرفة الجمهور ببرامجه، أولها غياب وجود تسويق جيد للبرامج.

 إن أبسط استطلاع رأي للجمهور سيكشف أن معظم الناس يعرفون العديد من برامج القنوات الخاصة، و إذا سألت أياً منهم كم مرة شاهدت هذه البرنامج على التليفزيون سيفاجئك أن الغالبية لا يشاهدون أي برامج على الشاشة الصغيرة، و إنما معرفتهم عن طرقٍ، أولها إعلانات البرامج على الطرق و الكباري، و ثانيها عرض مقتطفات منها على شبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة طبعاً إلى التكرار الكثيف على تردد القناة نفسه أو على ترددات إضافية تختلف عن الأولى في زمن العرض.
لا يوجد أي برنامج ينتج على قناة خاصة إلا و يذاع - في أقل تقدير - مرتين بخلاف تكرار كثيف لمقتطفات من البرنامج قبل و بعد العرض الرئيسي.
كل هذه السبل مفتقدة تماماً بالنسبة لبرامج التليفزيون الرسمي، لعدة أسباب أولها غياب التمويل، و ثانيها غياب الإدارة الرشيدة التي تستطيع توظيف الإمكانات البشرية و المادية للوصول إلى نجاح حقيقي. و طبعاً ثالثاً هذه الإدارة الرشيدة لابد لها من حرية في اتخاذ القرارات و محاسبة بعد ذلك، أما أن تكلف أياً من يكون بإدارة جهاز مثل هذا و تكبله بقرارات عليا، و ضغوط من خارج الجهاز و داخله، و ديون لا فكاك منها ثم نتحدث عن المواهب. ذلك لا يحتاج أصحاب مواهب بل معجزاتٍ إلهية.

أحمد صلاح الدين طه

الخميس، مايو 04، 2017

حقوق العاملين في الإعلام.. بمناسبة عيد العمال


 
  قبل سنوات، كنا نغطي إضرابات عمال بعض الشركات في مصر، كنت أعمل لصالح إحدى القنوات الفضائية الخاصة الشهيرة في ذلك الوقت، و المملوكة لأحد رجال الأعمال.. فجأة، و وسط المعمعة كما يقولون. وجدت المراسلة الشابة تخفض المايك و توجه نظرها إلي واجمة كأنها تحاول النظر إلى نفسها، و ليس لأي أحد آخر، و تقول:"إحنا بنعمل تقارير عن دول علشان بيطالبوا بحقوقهم.. دة إحنا مش واخدين نص الحقوق اللي هما بيتمتعوا بيها أصلاً، إحنا أولى بينا نعمل تقارير عن نفسنا".
 
  في الواقع كلامها أصاب كبد الحقيقة؛ فسوق الإعلام في مصر تعمه الفوضى، و تضيع فيه حقوق العاملين بشكل مبالغ فيه، خاصة في الإعلام الخاص، الذي ما عدت أستغرب و أنا يوما بعد يوم أصادف زملاء عملوا معي في بعض القنوات، أجدهم قد تحولوا للعمل في مجالات بعيدة كل البعد عن الإعلام، خاصة المتخصصون منهم الذين يعوقهم عادة عدم وجود "واسطة" لهم تدفعهم، فيفضلون اللحاق بركب تغيير المسار، حتى لا يضيعوا أعمارهم في ركاب من لا يستحقون.

  القنوات الخاصة تنشأ، و تختفي أو تنتقل ملكيتها، دون ضمانات لا للعاملين أو المجتمع الذي تمثله الدولة، لماذا لا تكون هناك شروط محكمة و مؤسسية صارمة عند إنشاء أي قناة، خاصة؛ فأي قناة ينتظر أن تستهلك الملايين، و من المعروف أن الإعلانات لا تكفي تعويض مصاريفها، إذا كان المستثمر غير قادر، أو غير مستعد، أو غير مؤهل لإنشاء قناة يجب الحرص على عدم التصريح له بإنشائها، لأنه يصبح معروفاً و غير قابل للجدل أنه سيستغلها لغسيل الأموال. و عندما تنتهي مهمتها سيغلقها دون إنذار بعد أن يكون العديدون أصبحوا موظفين فيها يعتمدون على أجورهم منها، و ربما تركوا أعمالهم في أماكن أخرى، انبهاراً بسطوع الانطلاق للقناة الجديدة الذي مايلبث أن يخبو، و يسبب هزة اجتماعية لعشرات الأسر.. الأزمة التي صارت حديث كل يوم في سوق الإعلام في مصر.

  العقود - القانونية - التي صارت حلماً للعاملين في الإعلام، و الذين كانوا - معظمهم - ينتظرون إنشاء نقابة الإعلاميين لتفصل في الأمر، لكنها على خلاف المتوقع جاءت بقاعدة كفيلة بزيادة تحكم أصحاب القنوات، حيث جعلتهم هم و توجهاتهم الفيصل في عضوية الإعلاميين بالنقابة،  يجب على من يرغب الالتحاق بالنقابة أن يكون عاملاً لديه إثبات عمل بعقد قانوني سارٍ بإحدى المحطات، و لما كانت المحطات بحاجة لتعويض خساراتها، بدأت تكشر عن أنيابها، و تفصح عن أنها ستصدر عقود عمل للعاملين لديها أو للراغبين بمقابل مادي. حتى يتسنى لهم الالتحاق بالنقابة و بعدها يحلها الحلال.

  المصريون الذين يتم استغلالهم عند الهجرة غير القانونية خارج بلادهم، سيستغلون لكن هذه المرة داخل بلادهم.

  هذا، ناهيك عن ما يواجهه العاملون من ظروف عملٍ قاسية، لا إجازات، لا أوقات محددة للعمل، استغلال من قبل أصحاب العمل لأداء مهامٍ خاصة، قانونية أو خلاف ذلك أحياناً، العمل في جو عدائي مشحون ضد الإعلام، و ربما ضد قنواتهم تحديدا، مما يعرض حياتهم للخطر دون تأمين ضد الإصابات، أو فقدان الحياة، و هو أمر أصبح متوقعاً بشكل يومي. دون حتى أدنى مسؤولية من القناة أو الشركة أو الوكالة، التي عند وقوع أي عارضٍ تسارع لتسوية الأمر مع الجهات المختصة، بينما "يروح فيها" الموظف - الإعلامي - هو و عائلته "و اللي يتشدد له".
 
  الإعلام عامة هو أحد الركائز التي يقوم عليها أي مجتمع، لأنه منوط به توفير المعلومة التي هي الفيصل في كل نشاط آخر، في الاقتصاد، أو السياسة، أو الأمن، و حتى في الحروب. و دون مناخٍ إعلامي سوي، دون منظومات(مؤسساتٍ) إعلامية منضبطة، و دون ضمانات للعاملين في المهن الإعلامية؛ لا ينتظرن أحدٌ من الإعلام المصري أكثر مما هو عليه الآن.


أحمد صلاح الدين طه

الجمعة، أبريل 21، 2017

نقابة الإعلاميين.. والله ظلمناها

 
  نعم ظلمناها، و نظلمها.
  

  لماذا نحاسبها أنها لم ترضِ طموحاتنا، لا كعاملين في المهن الإعلامية و لا كجمهور.

  نحاكمها و كأنها - في ذلك - شذت عن المناخ العام، بينما الواقع أنها - فقط - لبنة أخيرة  جاءت على مقاس و نمط و تفاصيل اللبنات التي سبقتها. كانت متآلفة مع مجموع البناء، و ليس ذلك خطأها. أما لو أردنا إصلاح البناء لوجب علينا تقويضه كله و إعادة تأسيسه، كما يقول عمال البناء:"على نضافة".

  أولاً، يلوم الجميع على لجنة تأسيس النقابة أنها أقصت معظم المهن التليفزيونية من اعتبار أهلها إعلاميين و بالتالي من عضويتهم بالنقابة، و لم يلاحظ أحد أن المهن التليفزيونية أصلاً اختلفت تفاصيلها و مسمياتها اختلافاً جذرياً عما كان موجوداً في الماضي، و ربما لولا اعتماد هذه المسميات في الكيانات البيروقراطية الجامدة منذ سنين مثل التليفزيون المصري و الذي أسست على قواعده معظم و ربما كل القنوات الفضائية المصرية، لولا اعتماد هذه المسميات من قبل أجهزة الدولة الخاصة بالتنظيم و الإدارة و المالية؛ لاندثرت تماما.

  لتكون هذه النقطة مفهومة، مثلاً أنا عن نفسي عندما كنت موظفاً في إحدى القنوات العربية، كان عملي كمصور يشمل إنتاج برنامجين كاملين، هما أهم برامج القناة، و إذا قارنت عملي حينها بالتخصصات الموجودة في القنوات المصرية أستطيع القول إن عملي كان يشمل: الإخراج، و التصوير، و المونتاج، و معظم مهام المعد و البروديوسر، و حتى تشغيل محطة البث. حيث كنت أرسل البرنامجين أسبوعياً متضمنين التقارير و اللقاءات و الفواصل، و لا يبقى لمنتجي القناة إلا ملء الفراغات المخصصة للإعلانات ثم إعادة بث المواد للجمهور. باختصار كنت أنا و مساعدي ( الذي أحدد له مهامه تبعاً لاحتياج العمل ) بالإضافة إلى مذيع/محاور و اثنين من المراسلين التقليديين نشكل قناة تليفزيونية كاملة ديناميكية الحركة و قابلة للتحور، كل ذلك كان تحت المسمى الوظيفي (مصور متخصص).

  في قناة أخرى أجنبية كانت وظيفتي ( مصور منتج/كاميرامان بروديوسر) حيث كنت أقوم بالمهام التي توكل في التليفزيون المصري للعديدين مثل المعد و المصور و المونتير و المخرج، و يبقى بعد ذلك مشاركاً لي في العمل ( مراسل منتج ) و هو يشارك في الإعداد و الترجمة و اختيار المواضيع و الفورمات المناسب لكل موضوع، و أيضاً تكون مهمته الأساسية: الظهور على الشاشة.
من خلال ذلك العمل أنتجنا مادة تليفزيونية متنوعة بدءاً بالتقارير الإخبارية و اللقاءات و حتى الأفلام التسجيلية.

  أيضاً، تضمنت تجربتي التليفزيونية العمل كصحافي فيديو، هذا المجال الذي ربما لم يلتفت له إطلاقاً مؤسسو النقابة رغم أنه شيئاً فشيئاً، يتسيد مجال إنتاج الأخبار التليفزيونية.

  إذا فالأمر و هو كذلك يوجب على اللجنة المؤسسة لنقابة الإعلاميين مراجعة هذه المهن التي اعتبرتها إعلامية رغم أنها فعلياً، منقرضة، و الحديث هنا يأخذنا إلى نقطته الثانية و هي الأهم، الدراسة الجامعية.

  في الجامعات المصرية، يدرس مجال الإنتاج التليفزيوني في ما يمكن اعتباره أربع مجموعات من المؤسسات الجامعية: 

  1. كليات الإعلام ( تخصص إذاعة و تليفزيون ).
  2. كليات الفنون التطبيقية ( تخصص الفوتوغرافيا و السينما و التليفزيون ).
  3. معهد السينما بتخصصاته المختلفة.
  4. كليات الآداب ( تخصص إعلام ).

  اختلاف المسميات للكليات و الأقسام، يجعل هناك التباساً كبيراً لدى من يريد الالتحاق بمجال الإعلام، و لا أزال أذكر كم من صديق من خريجي كلية الإعلام كانوا و هم في مرحلة إعداد مشروعات التخرج لايزالون يتساءلون: "هو احنا بعد التخرج، هنشتغل أيه؟"، خاصة و الكلية تجمع تخصصين مختلفين كلياً في قسم واحد، الراديو مع التليفزيون، مجال يستخدم الصوت و يتعامل مع خلق التصور ( الصورة الذهنية ) التي تعتمد على الخيال، مع مجال آخر يعتمد على الصورة بمفهوهما المادي، أي أنه يتعامل مع الحواس مباشرة ( البصر و السمع ) و يعتمد على نقل الواقع أو الانتقاء منه.

  أيضاً، لازلت أعاني لأوضح للبعض (خاصة المسؤولين عن الإعلام في مصر) أن خريج كلية الفنون التطبيقية ليس مختصاً في ( التصوير التليفزيوني ) رغم أن خريجي القسم نفسه يدرسون التصوير الفوتوغرافي و السينمائي، إلا أن مجال التليفزيون ليس فيه ما يسمى تصوير تليفزيوني لكنهم يدرسون الإنتاج التليفزيوني من الفكرة إلى الشاشة، و الكلية في ذلك كانت سباقة حيث جعلت خريجها أكثر انسجاماً مع أنماط الإنتاج التليفزيوني الحديثة، بالإضافة لفهمهم العميق لأدوات الإنتاج.

  هذا مجرد مثال يوضح كيف أن الفوضى لا بدأت بإنشاء النقابة و لا بسوق العمل، بل سبقت ذلك بكثير، و علينا إذا رغبنا الإصلاح لهذا المجال أن نبدأ باللبنة الأولى؛ على المسؤولين عن الكليات التي تخرج المتخصصين في إنتاج المادة التليفزيونية ( صناع الميديا ) أن يجتمعوا معاً، و يدرسوا احتياجات السوق، و التغيرات التي طرأت عليه، و عليهم أن يتعاونوا معاً إما لتمييز التخصصات، أو لتغيير المسميات. بعد أن يحدث ذلك يمكن أن نجتمع لنتشاور و نتحاور بشأن ضبط السوق أو تفعيل الانضباط النقابي.

بلاها نقابة الإعلاميين

 
 
  الزملاء المصورون، مديرو التصوير و الإضاءة غاضبون - كالعادة - مما اعتبروه تجاهلاً لهم عند تحديد التخصصات التي يمكنها الالتحاق بنقابة الإعلاميين. أصدقائي الأعزاء لا تحزنوا و لا تحنقوا و لا تستاؤوا، ليست هذه هي النقابة التي انتظرتموها طويلاً، و الأدلة كثيرة.
  النقابة التي انتظرتموها، لم تكن مجرد ملء للفراغ، لأنكم بالفعل لديكم نقابات مهنية أسهمت بدور فعال في حفظ مهنتكم طوال السنوات الماضية، بصرف النظر عن الفوضى التي أحدثها رجال الأعمال بقنواتهم التي اعتدت و تخطت القوانين، لكن مع ذلك ما لحق بمهنتكم لا يساوي شيئاً بجوار المهن التليفزيونية الأخرى، التي طالما كانت "سداح مداح"، تحكمها الواسطة، و العلاقات الشخصية، و العلاقات(الأخرى).
  كانت رغبتكم في نقابة تشمل التخصصات التليفزيونية مجتمعة؛ بهدف تنظيم العمل التليفزيوني، و إحلال نظام بدل الفوضى التي أصبحت إساءة لكل أطراف عملية الاتصال بداية بأصحاب الرسالة، و ناقليها، و حتى الجمهور الذي يسوؤه دائماً أنه لا يستطيع الاستغناء عن الوسائل الإعلامية بينما حالها يجعله بين شقي الرحى، يلفظها و يريدها في نفس الوقت.
  لكن كيف يمكن لنقابة أن تنظم العمل التليفزيوني، و هي لا تشمل المسؤول الأول عن الصورة. بل دعكم من ذلك، كيف يمكن لنقابة أن تنظم أي مهنة و هي نفسها غير منظمة. إن شرط العضوية أن يحصل العضو على أي مؤهل عالٍ، نعم، أي مؤهل عالٍ في بلد مثل مصر، بلدٌ فيها كلية الفنون التطبيقية، و كلية الإعلام، و أقسامُ الإعلام في كليات الآداب، ناهيك عن الأقسام المتخصصة في الجامعات الخاصة و الأجنبية. و أكاديمية الفنون. كل هذه الجهات تدرس برامج عالمية المستوى في الإنتاج التليفزيوني، و مع ذلك يصبح التخصص غير مؤهل للالتحاق بالنقابة، و الأدهى من ذلك و الأمرُّ أن عضوية النقابة ليست هي ما يؤهل للعمل في الوسيلة الإعلامية، بل على العكس، يجب على الملتحق بالنقابة أن يكون عاملاً. ناهيك عن شرط " الإعلامي تحت التمرين " فهذا الشرط يفرض أن يمر خريج الإعلام بعامي تدريب و خريج أي كلية بعام واحد، هذا الشرط مرفوض من الناحيتين، أولاً هو يعني أن سنوات الدراسة الجامعية لا قيمة لها إلا بتوفير عام واحد عند الالتحاق بالنقابة، و من ناحية أخرى هذا يعني أن اللجنة المسؤولة عن النقابة لا تعرف أن هناك كليات أخرى غير الإعلام تدرس برامج متخصصة في الإنتاج التليفزيوني المتكامل ( من الفكرة إلى الشاشة ) مثل كلية الفنون التطبيقية.
  بعد ذلك تعتقدون أنها ستنظم العمل التليفزيوني؟
  إذا كانت بداية من الاسم اختارت أن تكون نقابة ( الإعلاميين ) هل لاحظ أحد أن هناك أي تخصص في التليفزيون أو حتى في الراديو اسمه ( إعلامي )، هل هذه وظيفة، إذاً، ليخبرنا أحدهم، ما العمل الذي يقوم به ( الإعلامي ) في أي محطة تليفزيونية، أو إذاعية!
  الواقع أن لقب إعلامي هذا لا يعدو كونه لقباً تشريفياً، ليس إلا، يستخدم للمجاملة، و أحيانا لتقديم من لا وظيفة حقيقية له. أما الوظائف الحقيقية للعاملين في مجال التليفزيون أو الراديو فمعروفة، و لا تحوي هذه المهنة الهلامية.
  إذا، فليس عليكم السعي لتنضموا للنقابة، و لو سعت هي إليكم عليكم ألا تعطوها أكبر من حجمها كمركز أو نادٍ اجتماعي، و عليكم مع ذلك أن تسعوا، لكيلا تصبح مثل هذه النقابة هي المتحكمة في سوق التليفزيون لأن ذلك معناه نشر المزيد من الفوضى و احتقار التخصص، و إقصاء العلم.

أحمد صلاح الدين طه

نص أجر من ماسبيرو.. قاعدة العمل في الفضائيات

 بدون مبالغة، هذه القاعدة يعرفها معظم من يعملون في الفضائيات و الوكالات التليفزيونية المحلية في مصر، خاصة من يجمعون بين العمل في ماسبيرو إلى عملهم في الجهات الخاصة، و ما أكثرهم.
   في جلسة تحديد الأجر، يميل المدير أو مسؤول الموارد البشرية بالشركة إلى الأمام، يخفض نظارته عن عينه قليلاً فيبدو مثل المرابي التقليدي في الأفلام المصرية القديمة، و يقول بصوت مبحوح:"طبعاً يا صديقي أنت تحصل على قرش من هنا و قرش من التليفزيون؛ يكون دخلك الشهري قرشين، طبعاً ذلك جيد، أليس كذلك؟".
   يهز الموظف رأسه إيجاباً، و يستمر الوضع كذلك بالتراضي، و الجميع سعداء.
   كم لذلك من أهمية قصوى في توفير النفقات للقنوات التي أصبحت تضع نظامين للأجور أحدهما لموظفيها الذين يعملون لدى التليفزيون الرسمي-و كثيراً يتم إغفال المستندات الدالة على عمل هؤلاء في الأوراق الرسمية الخاصة بالقناة لمصلحة الجميع- و النظام الآخر لأجور العاملين الذين لا يعملون لدى التليفزيون و أغلبهم يكون من الشباب حديثي التخرج أو من غير المتخصصين توفيراً للنفقات و إلا تزيد الأجور.
   هذه شذرة من شذراتٍ أسست قاعدة في العمل التليفزيوني في مصر لها فوائدها و مساوئها أيضاً، مفاد القاعدة اعتماد جهات الإنتاج و البث التليفزيوني الخاص في مصر بشكل جزئي على ماسبيرو، سواء بشكل مبطنٍ أو معلن.
   المسألة تخطت كثيراً موضوع الأجور؛ فكما هناك نصف أجر من ماسبيرو هناك نصف بث من ماسبيرو، و نصف خدمات من ماسبيرو. دون أن يحصل ماسبيرو على أي مقابل لما يقدم للعرض على هذه القنوات: صلوات الجمع، و الأحداث العامة في مصر، الحفلات و مباريات كرة القدم أو الرياضات المختلفة و الندوات و المؤتمرات و غير ذلك مما يراه المشاهد مباشراً أو مسجلاً على معظم الفضائيات الخاصة دون أن يعرف أن اللوجو الموضوع على هذه المادة هو الشيء الوحيد الذي يخص القناة و ما عداه هو نقل عن التليفزيون الرسمي ماسبيرو الذي يدعي البعض أنه ليس له مشاهدين، و المشاهدون في الواقع يشاهدونه أينما حلوا و ارتحلوا، و حيثما أخذهم الريموت إلى أي شاشة تبث من مصر.
   ليس هناك داعٍ للتذكير أيضاً أن الاستوديوهات التي تبث منها القنوات الخاصة، و الأقمار الصناعية التي تحمل ترددات تلك القنوات أنشئت بأموال ماسبيرو في الأساس و لولا دعم ماسبيرو لما كان لتلك المؤسسات و لا القنوات وجود.
   بسبب هذه النقاط و غيرها، لم تكن تسمية ماسبيرو باسمه الشهير ( المبنى ) من فراغ. الواقع أنه فعلياً المبنى الإعلامي الوحيد في مصر، تنشأ القنوات بكيانات بسيطة سهل تكونها و الأسهل تبخرها، بين لحظة و أخرى تظهر الفضائية و تختفي دون أن تترك أثراً و يبقى المبنى، رغم عتاقته و أحياناً زلات العاملين فيه راسخاً قوياً لا هزته الزلازل و لا ألحقت به المؤامرات-رغم كثرتها-أذى.
   لذلك نسأل أبناء المبنى، ماسبيرو، الإذاعة و التليفزيون ألا يصدقوا أن أحداً من كان يريد إلغاء وجوده، القنوات التي يذكر-خطأ- أنها منافسة تعرف أهميته و أهمية وجوده، و الدولة إذا حاولت إصلاحه فذلك إيمان و إقرارٌ بفهمهم لذلك. لكن إذا كان وجود المبنى ليس محل خلاف؛ فعلى العاملين إثبات أنهم أهل لوجودهم فيه.

ماسبيرو.. عاوزين تقفلوه؟ اقفلوه




في مصر هناك قاعدة، عندما يقول لك أحدٌ: "بص العصفورة"؛ عليك أن تتحقق من كل شيء حولك. تحسس جيبك و أمِّن ظهرك، لكن لا تنشغل تماماً بأمر العصفورة؛ فالعصافير لا تنشل المحافظ، و لا تصفع الأقفية.
بهذا المنطق يجب أن نحلل اللغط الدائر في الفضائيات و في أروقة التليفزيون المصري، و حتى على أرصفة الشوارع و السوشيال ميديا حول مسألة "غلق ماسبيرو".
هل يملك أحدٌ قرار غلق التليفزيون الرسمي المصري؟
الواقع أنه أغلق فعلياً بإقرار مجلس النواب، و تصديق رئيس الجمهورية. بل و أنشئ بديلاً له هيئة سميت الهيئة الوطنية للإعلام، تتم هيكلتها (بمعنى إنشاء هيكلها) الآن بينما نحن مشغولون بالحديث عن كيفية هيكلة اتحاد الإذاعة و التليفزيون ( بمعنى إعادة تنظيمه داخلياً )، اتحاد الإذاعة و التليفزيون الذي لم يعد له وجودٌ إلا بشكل مؤقت ينتهي باكتمال هيئة الهيئة.
إذاً، لماذا يريد البعض شغلنا بالحديث عن المفروغ منه؟
ربما تكون هناك تكهناتٌ بإجاباتٍ عديدة، لكن إذا أخذنا في الاعتبار الالتزام الذي أقره مجلس النواب، و الذي أصبح واجباً على الجهات التنفيذية تحقيقه، و هو "نقل جميع العاملين باتحاد الإذاعة و التليفزيون إلى الهيئة الوطنية للإعلام بدرجاتهم الوظيفية و أقدمياتهم، و جميع مستحقاتهم المالية من رواتب و مكافآت و أجور"، و إذا أخذنا في الاعتبار أيضاً استياء البعض من ذلك النقل الذي سيشكل عبئاً – من وجهة نظرهم - على الهيئة الجديدة؛ يصبح السيناريو واضحاً، هناك من سيطرح فكرة التخلص من ماسبيرو بإغلاقه، و يحاول طبعاً – كالعادة - إقناع جماهير الشعب أن ماسبيرو لو أغلق و تم توفير أجور العاملين فيه ستكون نتيجة ذلك أن يرفل المصريون في الحرير و ينعمون برغد العيش، و طبعاً لن يخبر هذا مشاهديه أن أجور العاملين الموفرة لا تساوي شيئاً في ميزانيات بعض القنوات الفضائية، و لن يخبرهم أيضاً أن الموظفين الذين سيتم تسريحهم لن يهاجروا إلى بلد آخر لكنهم سينقلون إلى جواره ليزاحموه في سوق العمل و في راتبه و حوافزه و مكافآته. بعد ذلك سيأتي الدور على عنتري النزعة، الفارس المغوار الذي يخرج متصدياً للدفاع عن ماسبيرو، ماسبيرو التاريخ، ماسبيرو الماضي، ماسبيرو "أبلة فضيلة" و "ماما عفاف الهلاوي"، و "بابا ماجد مع الأصدقاء".. طبعاً سيلقى هذا "الحنون، العطوف،الرؤوف" تجاوباً من العامة، كما سيتشبث بأذيال ثوبه موظفو ماسبيرو الخائفين على ضياع رواتبهم و تحولهم إلى سائقي تاكسي كما حدث قبلهم مع موظفي الشركات العامة في الخصخصة. سيتعلق هؤلاء به حتى لو كان قشة، القشة التي يراها الغريق منجى و هي نفسها تقصم ظهر البعير. ثم يكتمل السيناريو بعرض الإبقاء عليهم، داخل كيان الهيئة الجديدة بعد أن يتنازلوا عن حقوقهم أو بعض حقوقهم – المادية و الأدبية - التي ألزم مجلس النواب الجهات التنفيذية بها.
إذا كان الأمر كذلك، فعلى الجميع أن يدركوا أن الماسبيرويين ليسوا عالة على الدولة، و ما صاروا إليه لم يكن لضعفٍ فيهم، بل لسياسات خاطئة من رجال الدولة في الجهاز، أهل الثقة الذين أورثونا ديوناً هائلة، و لوائح مقيدة، و بعض أشرطة التراث. أما الماسبيرويين؛ فعليهم أن ينأوا بأنفسهم عن حديث لا طائل منه، و عليهم أن يدركوا أنهم أقوى حتى من ماسبيرو نفسه بتراثه و ماضيه. كما أن عليهم أن يترفعوا عن التعلق بأشخاص لن يقدموا أو يؤخروا شيئاً في السيناريو المعد مسبقاً لهم.

الجمعة، يناير 13، 2017

الحاج.. صاحب القناة قصة حقيقية لم تحدث أبداً



الحاج.. صاحب القناة
قصة حقيقية لم تحدث أبداً


"دقائق و نكون على الهواء"
  العبارة التي نعتبرها كدقات المنبه. نسمعها كل يوم في نفس الميعاد. نسمعها فيستيقظ كل شيء داخل الاستوديو، ليس البشر فقط، بل قبلهم.. المعدات. الكاميرات تحسها و كأنها تفيق من غفلة، و الإضاءة كمن يتثاءب إثر يقظة من ثبات عميق. حتى باب البلاتوه السمين الأمين ينفرج فجأة لينبعث ضوء الخارج الذي يبدو – للغرابة – أقوى من إضاءة الاستوديو رغم أن الواقع خلاف ذلك تماماً.
  من خلال ذلك الضوء الساطع تنبعثُ امرأة ككيان ظليٍّ.. تتقدم و في خطوها هيبة و جلال ملكة.. تقطع المسافة بين الظل و النور لتظهر بغُنْج و دلال جاريةٍ في قصر أميرٍ قديم.
  ثقتها تهبها جمالاً، أم جمالها يهبها ثقةً.. لا يهم. المهم أنها تعرف أن كل شيء هنا مسخرٌ لها، حتى أولئك المتهامسين بعيداً عن الضوء، و الذين تعرف أنهم يلوكون سيرتها، و لا يملون من طرح تساؤلاتٍ لن يحسموا إجاباتٍ لها أبداً عن علاقتها بصاحب القناة. الحاج الذي جاء فجأة ليشتري القناة بالعاملين فيها و يقدم ذلك كله هدية ثمينة للمذيعة التي تحولت بين ليلةٍ و ضحاها من موظفةٍ عادية إلى نجمةٍ متألقة و سيدة أولى – و أخيرة – للقناة.
-         خمسة.
  يزعق مساعد المخرج أو من يسمونه ( مدير الأرض ) معلناً بدأ العدِّ التنازلي لخروج البرنامج على الهواء، لكنه – كالعادة – لن يواصل العد سريعاً؛ سيعطي فرصة ليكون كل شخصٍ في مكانه. هو مدرك تماماً أن الكثيرين ليسوا في أماكنهم. أولهم المخرج الذي – ككل يوم – يدخل حالاً متسللاً، و يقف إلى جوار أحد المصورين ليبدو و كأنه يوجهه لشيءٍ ما.. طبعاً، الحركة مصطنعة و قديمة يدركها الجميع و أولهم المذيعة التي يريد إيهامها بأنه داخل الاستوديو منذ فترة طويلة يباشر مهامه. هي بالتأكيد تعرف و تفهم اللعبة، و هو يعرف أنها تعرف، لكنها تمثيلية كل يوم التي اعتدنا جميعاً التواطؤ لأدائها أو لمساعدة المؤدين في تجسيد أدوارهم.
  كلنا يعرف أن السيد المخرج لن يعاقب أو حتى يسأل عن تأخره. ليس لشيء إلا لأنه يعرف الكثير من الأسرار، لا أسرار المهنة، بل خفايا صاحب القناة و سيدة القناة الأولى.
  أيضاً هي – السيدة التي تعتلي بؤرة النور حالياً – تمسك بيدها مفاتحه، تعرف أنها ربة الفضل بالنسبة إليه. حولته من مجرد شخصٍ يحمل الحقيبة و يوسع الطريق أمام الحاجِّ إلى المخرج الأول في القناة ( طبعاً بعد أن أزاحت من وجهه و وجهها المخرج السابق الذي اعتاد معارضتها و فرض رأيه و وجهة نظره في كل أمور البرنامج ) هكذا أصبح بالنسبة لها الشخص المثالي لتولي زمام الأمور دون أن تفلت من يدها أمور الزمام.
-         أربعة.
  صاح مدير الأرض و هو يجول بنظره في الاستوديو ليتأكد من أن الجميع سمعوا نداءه. ينسحب – بهدوءٍ – فنيو الصوت و الإضاءة بعد أن تأكدوا من أن أدواتهم تعمل بشكلٍ جيد. تلاهم المخرج الذي حرص قبل مغادرة البلاتوه إلى غرفة التحكم أن يهمس في أذن المذيعة – غالباً – ببعضِ النكات. يفعل ذلك كل يوم، يخبرها بأطرف ما سمعه اليوم؛ فتبتسم أو تضحك و تكتم ضحكتها بأطراف أصابعها.. اعتدنا تزامن إنعكاس الضوء على بعض الحلي الذي يملأ يدها مع صوتها و هي تقول له:
-         الله يجازي شيطانك.
  يبتسم هو ابتسامة النشوان لأداء مهمة شاقة ثم يغادر.
  لم يبق في الاستوديو إلا عناصر اللحظات الأخيرة قبل الهواء. المذيعة تكاد تشع لكثافة الضوء المسلط عليها، و في المنطقة المظلمة المصورون كأنهم من بعيدٍ أشخاص بأجسادٍ نحيلةٍ لدى كلٍّ منهم عينٌ ضخمةٌ للغاية. أيضاً خلف كل شيءٍ مختص الصوت الذي بالكاد يُرى في ظلامِ المكان.. بالقرب منه مدير الأرض و هو أيضاً في هذه اللحظة لا يراه أحدٌ إلا بصوته.. يصيح:
-         ثلاثة.
  الآن، كلُّ شيءٍ جاهزٌ. كلُّ شيءٍ معتادٌ، كلُّ شيءٍ يقود إلى منازل المشاهدين. لكن فجأة، و كما يحدث في الأفلام التجارية يتجمد الزمن. فجأة ينفتح باب الاستوديو و نفاجأ بصاحب القناة يتهادى بجسده البدين مقتحماً الاستوديو و خلفه واحدٌ من مساعديه يحمل بإحدى يديه كرسياً خشبياً، و بالأخرى نرجيلة.. نعم، نرجيلة يلمع الفحم متقداً في أعلاها مع بعض الدخان و رائحة المعسل البلدي تنتشر سريعاً.
  خلفهما، دخل مهرولاً حارس أمن. يظهر أنه حديث التعيين لأن أحداً لم يكن يعرفه. كان يتحدث إلى الحاج بصوتٍ متهدجٍ و لكنةٍ فيومية لا يخطئ التعرف عليها سكان أكتوبر و زايد:
-         يا حاج، والله ما ىنفع هذا.. هكذا ستقطع عيشي.
  لم يجبه الحاج، لكن مساعده سارع بصلفٍ يرد:
-         ألا تعرف من هذا؟! إنه صاحب القناة.. كل عيش.
-         يا باشا على رأسي، لكنها الأوامر.. هذا ممنوع.
  رمقه الحاج بتفحُّصِ مقاول يستعدُّ لتوبيخ أحد صبيانه، ثم قال بلهجةٍ حاسمة و لكنةِ عامل بناء صعيدي عاد لتوه من الخليج:
-         أتعرف كم أدفع إيجاراً لهذا المخروب؟
  تأمل وقع كلماته على الحارس الغلبان ثم عقب:
-         أتريد أن تعلمني كيف أتصرف في ملكي؟!
  لم يبدُ حارس الأمن كشخصٍ سيحارب من أجل نفاذ القانون أو احترام القواعد، هو فقط – بينه و بين نفسه – يلعن الحظ العاثر الذي جعله واقعاً في هذا المأزق في أول يوم عملٍ له. ما كان يقلقه فعلاً أنه لا يستطيع تقدير عقبات التساهل، لو كان يعرف دية القتيل لقتله.
  في هذه اللحظة اندفع المخرج داخل البلاتوه متسائلاً عما هناك يعطل الهواء. اندفاعه لم يمنع عينه من تفحص الموقف لتقدير ما يمكن فعله و ما يجب التجاوز عنه. توجه أولا إلى الحاج و رحب به فهز الأخير رأسه دون أن يلتفت.. الحارس هو من نظر إليه راجياً أن تكون لديه القدرة أو الرغبة ليفصل في الأمر، لكن المخرج بادره و هو يربت على كتفه:
-         أنت ما اسمك؟
-         أحمد.
-         طيب، يا أحمد، من الممكن أن نحل هذه المشكلة في الفاصل. أنت الآن تعطل الهواء.
-         أنا؟! أنا؟! لست أنا من يعطل الهواء.
-         دعنا من هذه التفاصيل، سنناقشها فيما بعد.
  كان المخرج يتحدث بثقة و كأن كلماته ستنهي كل شيء، لكن الحارس تشبث بموقفه:
-         يا باشوات كلكم على رأسي. لكن الباشا اللواء مدير الأمن الصناعي مرَّ من ساعة فقط و أكد أن لا يدخل الاستوديو أي شيءٍ يمكن أن يؤدي إلى حريق، و هذه شيشة، يعني فحم، يعني نار.. أنا في النهاية مَن سيعاقب.
  خاب سعي المخرج لكنه لم يفقد الأمل، توجه إلى الحاج مستعطفاً:
-         يا حاج، ألا يمكن أن نستأذن سعادتك أن تتفضل و تشرفنا في صالون كبار الزوار لتستطيع متابعة العمل على الهواء من الشاشة الضخمة هناك.
  ازداد العند في لهجة الحاج و قال بلهجة قاطعة:
-         أنا لست من كبار الزوار، أنا من كبار الملاك، و أنا أراقب العمل في قناتي، من هنا، من موقع العمل.. و أشرب شيشتي على أرضي التي أدفع الملايين لاستئجارها، ليس ليعلمني مجرد بواب يقبض راتبه من فلوسي كيف أتصرف.
  الأمر يزداد تأزماً، و الهواء تأخر أكثر من خمس دقائق. الكنترول يعيد و يزيد في فواصل لامعنى لها، و داخل البلاتوة الكل يرقب في صمت.. المذيعة في مكانها تتظاهر بأنها تراجع الاسكريبت، و المصورون – في الظل – يتابعون عن كثب ما يحدث دون أن يغامر أحدهم بالتدخل، كأن الأمر لا يعنيهم. مدير الأرض يمثل أنه يراجع شيئاً ما مع مختص الصوت حتى لا يصبح طرفاً في المشكلة، رغم أن ما يحدث فعلياً على أرضه من صميم عمله؛ لكنه أيضاً لا يرغب في فقد وظيفته. أخيراً المخرج.. لم يفقد الأمل.. المخرجون عادة لا تثبط عزائمهم أبداً، إلا عندما يقررون التقاعد.
-         لكن، يا حاج، ألا ترى سيادتك أن دخان الشيشة سيؤثر على جودة الصورة؟
  جال الحاج لحظة بنظره على المصورين، ثم حدج المخرج بنظرة منتصر متسائلاً:
-         أنتم، ألا تصورون مسلسلات؟! عندما تظهر الشيشة في الصورة، هل تكون بغير دخان؟
-         لكن، يا حاج، هذه تكون ضرورة درامية. هذه تكون ظاهرة في الكادر بذاتها، لا دخاناً فقط.
  فجأة نهض الحاج متجهاً مباشرة نحو النور. وقف إلى جوار المذيعة، و في لمح البصر لحقه مساعده بالنرجيلة و الكرسي الخشبي ليضعه في قلب الديكور، و يجلس الحاج وسط دهشة الجميع. يتناول طرف اللَيِّ، و يسحب من المبسم نفساً عميقاً ثم ينفثه معبئاً المكان بدخانٍ كثيف، ثم يقول في تحدٍ للجميع:
-         ما رأيك إذاً في هذه الضرورة الدرامية؟
  لم يبدُ أن أحداً فهم قصد الرجل؛ فعقب:
-         سأكون أنا و شيشتي موضوع حلقة اليوم.
  نظر إلى المذيعة مداعباً:
-         لا تقلقين؛ سأكون ضيفاً لا مذيعاً.
  ابتسمت الحسناء و كأن الأمر لا يعنيها، أو على الأقل لم تبدُ الفكرة شاذة بالنسبة لها.. تفحصت الوجوه الواجمة حولها ثم استقرت في عينها عين الحاج و ابتسامته العريضة. بدا الرجل في هذه اللحظة طفلاً يلهو بلعبةٍ جديدة. هو سعيدٌ باللعب حتى لو أثار في سبيله سخط الجميع. لا يهمه إن قالوا عليه "غلس" لأنه غلس بالفعل، و الآخرون مضطرون لقبول غلاسته على أي حال.
-         والله فكرة.
  قالت المذيعة ذلك و هي تقرأ الوجوه الواجمة حولها. لم يُبدِ أحد رد فعل حتى فوجئ الجميع بمن يصيح:
-         كيف؟!
  كان ذلك رئيس تحرير البرنامج الذي لم يلحظ أحدٌ وجوده إلا عندما تكلم، و يبدو أنه لم يتكلم إلا عندما فاض كيله و طفح.
-         عندنا اليوم برنامج مشحون، انظروا.. قرارات.. حوادث.. مظاهرات.. إنفجارات.. إرهاب.. حروب.. أزمات.. لا يمكن الاستغناء عن فقرة واحدة حتى.
  الحاج كأنه لم يسمع شيئاً. بقي على كرسيه يدخن شيشته السخية.
  غمزت المذيعة للمخرج أن تصرف؛ فقال كأنه وجد حلاً:
-         يعني.. يمكن أن تكون فقرة ظريفة في بداية الحلقة. لقاء مع صاحب القناة، ثم نواصل فقراتنا كالمعتاد.
-         ظريفة؟!
  حدجه رئيس التحرير بنظرة فيها كل معاني الحنق و الغضب و التعجب.
-         كيف هذا؟ أنت تعرف.. أنا عندي أوامر.
  عندي أوامر.. عندي أوامر.. هذا التعبير مألوفٌ لنا. دائماً هناك من عنده أوامر، لكن من أين تأتي؟ لا أحد يعرف. المفترض أن كل من بيدهم عقدة الأمر في القناة موجودون أمامنا الآن في بؤرة النور، لكن التفاتة بسيطة جعلت عيون الجميع تتجه إلى الزجاج الذي يفصل البلاتوه عن غرفة التحكم. هناك كان شخص لم نستطع تبين ملامحه، لكن هيئته الصارمة و بنيانه الضخم يكسبانه مظهر أبٍ أمام أطفاله يوبخهم.
-         من هذا؟!
  لم يجب أحدٌ. ربما هزَّ أحدهم كتفه أو مط شفتيه بإشارة تعني"لا أعرف". في لحظات قادت الأرجل أصحابها مطأطئي الأرؤس منحنيي الظهور مغادرين دون أن تنبس شفة بكلمة. حتى صاحب القناة الذي يدفع الملايين إيجاراً للاستوديو و يصرف من جيبه رواتب الجميع؛ انسل خلف مساعده، و اختفى حسه تماماً ليظهر صوت مدير الأرض أخيراً مجلجلاً يصيح:
-         أربعة، ثلاثة، اثنين، واحد.. على الهواء.
-         أعزاءنا المشاهدين.. أهلاً بكم معنا.. على الهواء.
أحمد صلاح الدين طه
يناير 2017