آخر الأخبار

الأحد، يوليو 30، 2017

إنتاج النماذج الأثرية.. استنساخ الماضي تطلعاً إلى المستقبل


إنتاج النماذج الأثرية..

استنساخ الماضي تطلعاً إلى المستقبل



 دكتور عمرو الطيبي مدير مركز النماذج الأثرية

عابراً إلى الخارج من مطار القاهرة، دون شك ستدهشك إطلالة (سِرقت) المعبودة الفرعونية الحامية من لدغات العقارب. إطلالة مميزة، و دقة يتساءل معها البعض عن إمكانية أن تكون أثراً حقيقياً.. الواقع هي مجرد نموذج بسيط من إنتاج إدارة مخصصة لاستنساخ آثار مصر عبر العصور، بدقة متناهية و أمانة مدهشة.

ربما لا يعرف البعض أهمية إنشاء إدارة أو مركز كهذا، لكن بقليل من التفكير ستجد أن أهميته لا حدود لها.
هل لازلنا نذكر كيف استقدمت الدولة المصرية قبل سنوات فنانين و فنيين كوريين لإنتاج مجسمات و رسومات تعبر عن بطولات المصريين في حرب اكتوبر، ألا يشعرك ذلك بالتدني عندما تستجلب من يصور لك تاريخك الذي لا ينتمي إليه و لا يمثل بالنسبة له أكثر من ( سبوبة ) يرتزق منها بعض الوقت.. إذا كان ذلك يسوؤك فاعلم أن الأمر أكبر و أسوأ من ذلك بكثير، إنه لا يتعلق فقط بتلك الغصة التي تلحق أبناءك عندما يزورون بانوراما أكتوبر و يسألون عن من صنعها فيخبرهم القيمون على العرض أن "الكوريين فعلوها" إحساسك حينها أمام أبنائك أن: "حتى النصر اللي حيلتنا أصبح بعيون آسيوية ضيقة".. ذلك ليس كل شيء؛ فللموضوع أبعاد أخرى ثقافية و اقتصادية أيضاً.

  من الناحية الاقتصادية، عليك فقط أن تتجول في أسواقك السياحية، حاول أن تجد ما يعبر عنك أو ما ينتمي فعلاً لمصر. حاول أن تجد منتجاً أنت صانعه بيديك يشتريه السائح أو الزائر ليصدره إلى بلده و تكسب أنت و مجتمعك مقابله مالاً يزيد عن سمسرة التجارة و لو قليلاً.
  لازلت أذكر وجه زميلة صينية أرادت شراء بعض الهدايا من المنتجات المصرية تعود بها إلى أهلها و أصدقائها في بلدها، تعرفهم هناك بمصر، و تتذكر هي رحلتها كذلك. حينها أخذناها إلى خان الخليلي، سوق التحف الأشهر بالقاهرة. تجولت ساعتين ثم عادت إلينا خائبة تضحك أو ربما تضحك على خيبتنا، و تقول: " لم أجد إلا فراعنة صينيين صغاراً، كل التحف هنا (صناعة صينية) أكاد أعرف كل منتج وجدته في السوق أين صنع، و أستطيع تخمين أسماء الرجال و النساء الصينيين الذين صنعوه".
أي عار لحقنا بعدما سمعنا منها هذه الكلمات.

  أيضاً، للمسألة بعد ثقافي أهم، تستطيع فهمه عندما تتأمل أهمية النمذجة، إنتاج نسخ عن أصل ما يتحول مع الوقت و إضافات منتجيه، و هم -حتى لو حرصوا- سيضيفون إلى النموذج الذي يأخذون عنه من ثقافتهم و بيئتهم و ملامحهم التي نشأوا فيها و ربوا عليها. فقط تأمل المستنسخات المصنوعة تعبيراً عن المسيح عليه السلام، لتلاحظ أن هناك مسيحاً أوروبياً ( هو الأكثر شيوعاً ) بملامح أوروبية. أشقر بشعر أحمر و عينين فاتحتي اللون. في المقابل ستجد المسيح الإفريقي بملامح أقرب ما يكون لسكان القارة. بين هذا و ذاك هناك العديد من الصور و التصورات لملامحه عليه السلام. تنتشر إحدى هذه الصور هنا أو هناك تبعا لانتشار و تسيد و قوة ثقافة من صدرت عنهم.
تأمل أيضاً مثلاً كيف تستخدم مستنسخاتٌ عن نفس الأصل لتمثيل تواريخ و قصصاً مختلفة. بالتأكيد مرت عليك صورة مار جرجس يصارع التنين، و هي نفسها يستخدمها صناع الرسوم الشعبية للتعبير عن أبو زيد الهلالي، و غير ذلك الكثير.

 إذاً، لو تركنا غيرنا يستنسخ لنا حضارتنا و ثقافتنا، علينا بعد زمن ألا نلوم إلا أنفسنا على محو هويتنا، رويداً رويداً. عندما نجد، و هو واقع قريب، ملامح المستنسخات الفرعونية و قد نحتت على نماذج لا تنتمي لا للفراعنة و لا أحفاد الأرض السوداء التي ورثناها. عندما نجد إمحوتب و قد صار مهندساً صينياً، و عمال بناء الأهرام هنديين، و نجد الرعامسة و قد صاروا حضارة بملامح بني إسرائيل.

  أما إذا أردنا اللحاق بالركب، و إنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فعلينا أن ندعم هذا المشروع و نتعامل معه كمشروع ثقافي و اقتصادي قومي. من ناحية الإنتاج الكمي لهذه المستنسخات، بمثل هذه الجودة التي لاحظناها، يمكن أن يعود بدخل لا يستهان به، فحتى لو لم تتعاف السياحة - لا قدر الله - قريباً سيظل تسويق هذه المنتجات عبر الإنترنت، و في الأسواق الخارجية متاحاً و سهلاً. و عندما يعود الأجانب إلى أسواقنا سيكون بإمكانهم أن يجدوا الملك توت كما تركوه، و يبقى توتُ توتاً واحداً.. يبقى توت عنخ آمون.

أحمد صلاح الدين طه

نفرتيتي









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق