آخر الأخبار

الأحد، يوليو 11، 2010

أنا و المرور و هوان .. عايشين لبعضينا

القيادة فن و ذوق ، أما استخراج رخصة السيارة فهو فن أيضاً لكن بصرف النظر عن مسألة الذوق هذه .
هذا ما أدركه لذلك عندما جاء موعد تجديد ترخيص سيارتي و الفحص الفني حرصت على استشارة كثير من الأصدقاء عما عليّ فعله ، و كان إجماعهم أن السيارة نفسها لا مشكلة فيها حتى لو كان نصفها غير موجود ، و لا داع لإصلاح أي عيب فيها " لأنك في كل الأحوال هتدفع هتدفع حتى لو كانت سيارتك زيرو " و هذا ما أذكره جيداًعندما كنت أرخِّص السيارة و هي جديدة تماماً رفض المهندس التوقيع على الأوراق الخاصة بها بعد أن قام بكشف العادم و راح يقنعنا أنا و المندوب الذي جاء معي من التوكيل لترخيص السيارة أن السيارة تصدر عادماً غير مرئي و هو أشد خطورة من العادم المرئي لما به من مواد شديدة الخطورة و سامة للغاية ستضره و تضرنا و تضر البيئة و تؤذي أبناءنا فلذات أكبادنا في المستقبل " يرضيك تسمم الجيل الجديد ؟ "
طبعا لم يكن ذلك ليرضيني ، لكن مندوب التوكيل ، و هو بالمناسبة عراقي مقيم بمصر و فيما يبدو تعلم كيف تدار الأمور هنا كما أنني لا أستبعد وجود سابق خبرة له في هذا الشأن في بلده أو في أي بلد عربي يكون قد أقام فيه مسبقاً لأننا أبناء العرب إذا اختلفنا في شيء لا نتفق إلا في مساوئنا السلوكية . على أي حال أشار لي الرجل بوضع مبلغ زهيد ( عشرين جنيهاً ) في قلب الملف و إعادته للمهندس .
لوهلة لم أتخيل أن يغير رجل مثقف ( مهندس قد الدنيا ) ذمته فقط لقاء عشرين جنيها ، لكن الواقع كان بخلاف توقعاتي و لم يفتح الرجل فمه هذه المرة .. وقَّـع دون أي تفكير لا في الجيل الجديد أو القديم بل حتى لم يذكر الخطر الواقع عليه هو نفسه نتاج العادم " غير المرئي " و تم كل شيءٍ بعد ذلك بسلاسة و بدفع مزيد من المبالغ الزهيدة .
لذلك و نتاج خبرتي السابقة سلحت نفسي بورقات من فئة العشرين و العشرة و بعض خمسات الجنيهات و توجهت لتجديد الترخيص بينما في نفسي تعتمل مشاعر الغضب و الحنق ؛ فأنا مقدم على فعل أمر مشين وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعله بالنار ( الراشي و المرتشي و الرائش في النار ) و مع ذلك لا سبيل أمامي غير الخضوع و دفع تلك الرشى التي لا أقدمها للحصول على ما ليس لي و إنما فقط لنيل حقي في ترخيص سيارتي التي لا عيب فيها يحجب عنها الرخصة أي أنني أدفع إتاوة مجبراً مقهوراً مهزوماً .
المفاجأة التي أذهلتني عند دخولي صالة خدمات الجمهور بإدارة المرور هي أنني ضبطت نفسي متعاطفاً مع هؤلاء الموظفين القابعين خلف الشبابيك المختلفة و كأنني لا أرى في سلوكهم ما يشين .
مثلاً عندما وضعت عشرة جنيهات في يد موظف هرع لخدمتي ، لم أفكر في كونه ملهوفاً تجاه الجنيهات أو إن كان سيتقاعس عن خدمة مواطن آخر لن يقدم له شيئاً ، ما لفت نظري حقاً هو حملقة الرجل لقراءة ورقة تبعد عن عينه بضعة سنتيمترات مما يشير لضعف بصري شديد ، هل حقاً نظر الرجل ضعيف إلى هذه الدرجة ، و هل - كما أتخيل - لا يستطيع الرجل شراء نظارة طبية تصحح إعاقته رغم أنه موظف عمومي يتقاضى مرتباً و حوافز من إدارة حكومية كهذه تردها أموال لا طائل لها كل يوم ؟
تعاطفي أثار في نفسي تساؤلات منها على سبيل المثال : هل ما أراه حولي صحيح ؟ هل يستحق هؤلاء الناس الرثاء لحالهم فعلاً أم أن شعوري بالقهر أدى بي إلى وهم يصور لي الأمور عكس ما هي عليه ؟
في الحقيقة لا أستطيع و لن استطيع أبداً الحكم على الحالة التي كنت جزءاً منها حينها فلو كان اعتراني نوع من الهلوسة أو ما إلى ذلك يكون ذلك مر و الحمد لله قد انتهى .
ما يقلقني حقاً أن يكون شعوري هذا نوعاً من التواطؤ مع الحالة العامة .
ما كنت أرفضه بالأمس أقبله اليوم .
ما كان سيئاً أصبح عادياً .
ببساطة معنى ذلك أنني أصبحت جزءاً مما يحيط بي من فساد ، لا أرفضه ، و لا حتى أستاء منه بل أشارك فيه و أبحث عن مبررات له .

ما يقلقني أن بعض الأمم السابقة هلكت ليس لوجود الفساد فيها بل لأنه تحول إلى حالة عامة .. عندما أصبح الناس لا يتناهون عن منكر اقترفوه حلَّ عليهم القول فدمروا تدميرا .



ديدالوم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق