فيينا، النمسا –
في خطوة ثورية غير مسبوقة غيرت مفاهيم البث التلفزيوني المباشر، شهدت المسابقة الغنائية الأوروبية "يوروفيجن 2026" (Eurovision Song Contest) التي أقيمت في العاصمة النمساوية فيينا، تحولاً بصرياً وتاريخياً؛ حيث تم تصوير الحدث بالكامل باستخدام 24 كاميرا من طراز ARRI ALEXA 35 Live، لتبتعد المسابقة لأول مرة عن كاميرات البث التقليدية وتعتمد بالكامل على جودة الصورة السينمائية الهوليوودية.
الطموح النمساوي: من منصة التتويج إلى ريادة البث
بدأت القصة عندما توجت النمسا بلقب المسابقة عام 2025 في سويسرا، مما منح هيئة البث النمساوية الرسمية (ORF) شرف استضافة وتنظيم حدث عام 2026. ولم تكن (ORF) تسعى لمجرد تنظيم ناجح، بل كانت عازمة على ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ أضخم بث حي لحفل موسيقي في العالم.
وفي هذا السياق، صرّح مايكل كوغلر، رئيس المخرجين في (ORF):
"أردنا تقديم شيء جديد تماماً يرفع من القيمة البصرية للمسابقة. لقد استلهمنا فكرتنا من هوليوود، وأردنا تقديم العروض بمظهر سينمائي يحاكي الحفلات الضخمة لنجوم عالميين مثل تايلور سويفت وفرقة كولدبلاي."
تفاصيل تقنية تصنع الفارق لأول مرة
لتحقيق هذه الرؤية الطموحة، تم اختيار نظام الكاميرات المتعددة (ARRI Multicam System) المزود بمستشعرات Super 35، ونطاق ديناميكي رائد في الصناعة، وحساسية استثنائية للإضاءة.
وخلال الاختبارات الأولية في السويد، ظهر الفارق الشاسع بين كاميرات ARRI والكاميرات التقليدية، وهو ما أوضحه كوغلر قائلاً:
"عند وضع كاميرات ARRI بجانب كاميرات البث القياسية، لاحظنا تدرجات ألوان مختلفة تماماً، خاصة مع عناصر الإضاءة والنيران والمؤثرات الخاصة. في الكاميرات العادية، يظهر تأثير النار كومضة ضوء بيضاء دون تفاصيل، أما مع كاميرات ARRI، فيمكنك رؤية الألوان الحقيقية لاللهب وهي تتطور من البنفسجي إلى الأصفر ثم الأبيض الزجاجي. هذه تفاصيل لم يشهدها المشاهد في المنزل من قبل."
أبرز الميزات التقنية التي قدمتها ARRI في الحدث:
تحديثات برمجية فورية: طوّر مهندسو ARRI حزم تحديث مخصصة للمسابقة تشمل تصحيح الألوان متعدد المصفوفات (multi-matrix color correction).
سهولة الدمج: تم دمج محطات الألياف الضوئية (ARRI FBS-1) ووحدات التحكم (Skaarhoj RCP) في عربات البث الخارجي التابعة لشركة NEP في ألمانيا خلال يوم واحد فقط.
حرية الحركة الكاملة: لم تقيد الكاميرات السينمائية حركة الإخراج، بل تم استخدامها على الرافعات (Scorpio cranes)، منصات الكابلات ثلاثية الأبعاد (3D cable rigs)، وعربات التتبع، بالإضافة إلى التصوير المحمول باليد.
25 فيديو كليب عالي الجودة.. في بث حي ومباشر!
أحد أكبر التحديات والإنجازات في "يوروفيجن 2026" كان قدرة النظام على تطبيق "أنماط بصرية مخصصة" (Bespoke Creative Looks) لكل دولة على حدة. وقبل الانطلاق، جهزت ARRI "كتيب أنماط" يحتوي على نحو 50 مظهراً بصرياً مستوحى من أشهر الفيديوهات الموسيقية العالمية.
وقد اختارت جميع الوفود المشاركة تقريباً مظهراً سينمائياً خاصاً بها، باستثناء دولة واحدة فقط فضلت المظهر التقليدي. بل إن الوفد البلغاري، الذي فاز بالمسابقة، استخدم مظهرين بصريين مختلفين خلال عرضه الباهر.
وعن مرونة هذا النظام، علّق مصور الكاميرا المحمولة برنهارد بوبوفيتش:
"كان لكل دولة جدول ألوان (LUT) خاص بها يتم تحميله في الكاميرات فوراً، وكان التنقل بين الأنماط المختلفة يتم بسلاسة فائقة بنقرة زر واحدة. كمصور في الساحة القريبة من الجمهور والوفود، فوجئت بخفة وزن الكاميرا وسهولة التعامل معها مقارنة بكاميرات السينما التقليدية."
وبفضل شبكة العمل الآلية التي صممتها ARRI، تم تبديل الأنماط البصرية تلقائياً لقطة بلقطة (shot-by-shot)، مما جعل الحفل النهائي يبدو للمشاهدين وكأنه تجميعة لـ 25 فيديو كليب تم إنتاجها وهندسة ألوانها في أرقى استوديوهات هوليوود، ولكنها نُفذت في حقيقة الأمر بشكل لحظي ومباشر ودون أي عمليات إنتاج لاحق (Post-production).
إشادة عالمية ومستقبل جديد للتلفزيون
تم بث الحفل الختامي الكبير في 16 مايو 2026 إلى أكثر من 40 دولة حول العالم، وجاءت النتيجة مبهرة للملايين في المنازل وللتقنيين في فيينا على حد سواء؛ حيث بدت ألوان البشرة طبيعية ودافئة، وتلاشت تماماً مشاكل تشويه الشاشات الضخمة (Moiré effects) التي تحدث عادة مع كاميرات البث القياسية.
وفي ختام هذا الإنجاز التاريخي، أكد مايكل كوغلر أن هذه التجربة ستغير وجه الإعلام المرئي:
"أعتقد أن ما حدث سيغير مستقبل التلفزيون إلى الأبد. لقد فتحنا الباب للغة بصرية مختلفة تماماً، وليس فقط لبرامج الترفيه الحية، بل يمتد هذا الإمكان الهائل ليشمل التغطيات الرياضية الكبرى أيضاً."
