آخر الأخبار

الأحد، أغسطس 31، 2014

التصوير صعقاً .. تجربة فوتوغرافيَّة لا تكرِّرها في المنزل


  يسلِّم الكثيرون أن الفن ضربٌ من الجنون 
إذا لم تكن تصدق - مثلي - ذلك ؛ فالأحرى بك الآن أن تفعل
لو لم تكن هذه التجربة جنوناً ؛ فماذا تكون
على أي حالٍ ، ربما لا تكون تجربة المصور الأمريكي باتريك هول جنوناً مطلقاً ، رغم ما يبدو فيها من غرابة
قرر المصوِّر الأمريكي أن يصوِّر مجموعة من الأشخاص المتطوعين ، بورتريهات عادية ، لا ليست عادية ؛ فأثناء التقاط الصور يقوم صديق للموديل/الضحية بصعقه عن طريق أحد الصواعق المستخدمة للدفاع عن النفس بتيار كهربي يصل إلى 300,000 فولت 
في هذه اﻷثناء تكون عدة كاميرات مسلطة على المشهد إحداها كاميرا تصوِّر صوراً ثابتة للحظة الصعق ، فيما يمكن تسميته بورتريه ، نعم بورتريه حتى لو كان غارقاً في معاني الألم ، و كاميراتٌ أخرى تلتقط فيديو بالتصوير البطيء لوجهي الموديل و صديقه أو صديقته الذي يتولى عملية الصعق ، و أيضا تلتقط كاميرا أخرى لحظة التقاء الصاعق بجسد المصعوق
  تبدو  العملية كتجربة علمية ، ليست الأولى من نوعها ؛ ربما تفسر خلفية المصور التعليمية ذلك حيث كان دارسا لعلم الأحياء قبل توجهه لتعلُّم التصوير ، لكن التجربة تخرج من هذا الإطار عندما نشاهد الفيديو و الصور و نكتشف أننا إزاء عمل فنيٍّ جدير بالتأمل ، المسألة ليست مجرد تسجيل للحظة لكنه غوصٌ  في نفوس البشر خلال زمن لا تراه العين تتغير خلاله تعبيرات إنسانٍ بين نقيضين التباين بينهما أقصى ما يكون ، و يلعب أيضا التناقض بين مشاعر الشخصين لعبته ، أحدهما القائم بالفعل ممسكا بالجهاز في يده يترقب و هو خائفٌ ، أو قلقٌ ، متحفزٌ ربما ، متعاطفةٌ مع صديقها ، ممكن ، و  آخرُ مستعدٌ للإنتقام ، لا تجزم ؛ لكنه يبدو كذلك
على الطرف اﻵخر ، تجد الضحيةَ
منتظراً
يعرف مصيرَه ، لكنَّه لا يستطيع أن يحدد : متى؟
كطفلٍ في آخر الصف ، ينتظر حقنة التطعيم ، و يتألم لحظةً لحظة ، طفلًا تلو طفل ، ألمٌ و خوفٌ و قلق .. أحاسيسُ تتجه كلُّها وجهةً واحدة و تتراكم عند منعطف يقف قلبه إزاءَه
كما نقول في أمثالنا : وقوع البلاء ، و لا انتظاره
و هم ينتظرون ، يعرفون أن الصَّاعق على بعد خطوة ،  يدركون ما يمكن  أن يفعله بهم ، أغلبهم نسوة ربما أوقفوا يوما متحرشاً أو لصاً مشرداً بهذا السلاح و ربما أيضاً لم يستطيعوا أو تستطعن الإلتفات لمعرفة أثر أداتهم الخطيرة على من كان مجرماً قبل لحظة يريد الفتك بهم فأصبح و لا حول له و لا قوة في بدنه 
اﻵن هم يجرِّبون إحساسَ  الضحية
 لا ترى خوفاً حقيقياً في عيونهم ، لا تخطئ في نظراتهم لذة لا يستطيعون إنكارها ، و لا يحاولون فعل ذلك بينما تتصاعد نشوة عجيبة تغلق أعينهم قليلًا حتى ترى السعادة بين رموشهم تحاول الخروج و يحاولون منعها . هل يريدون إغماضَ  أعينهم ليحفظوا ذلك الإحساس داخل رؤوسهم أطول وقت ممكن ؛ كادوا يفعلوا  ، لكن اللحظة قصيرة . فجأة ترتجف أجسادهم ، تشد جلودهم و تترهل في تتابع يبدو سريعا و هو في الحقيقة خاطف السرعة . تتبدل ملامحهم فجأة إلى الفزع ، اﻷلم .. هل يستنجدون ، و بمن؟ ليس بموجود حولهم لكن أعينهم تحوِّم داخل نفوسِهم  ، هل تبحث الطبيعة فجأة عن إيمان ، أم يتحول ثبات اليقين إلى شك المادة في وجودها
لحظة جديرة بالتأمل ، و لا تستطيع الكلمات وصفها
تجربةٌ مفيدة على المستوى العلمي و الإنساني . و هذا هو التصوير الضوئي نحاول أن نعرف المزيد عنه فيكشف لنا الكثير مما لا نعرفه عن أنفسنا





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق