نعم، أبوها فلوس كما قال عم كارل ماركس وأكد فريدريك إنجلز.
طبعًا لم يقولا ذلك لفظًا لأن اللفظ منسوب إلى ثقافتنا خاصة في الصعيد، عندما نتناول قضية ما؛ نقول: " أبوها كذا" أو "دِيّتها كذا"، وكذا في الحالتين هي مربط الفرس، وفي حالة التليفزيون هي الفلوس، فكما ربط ماركس وإنجلز كل نشاط في المجتمعات البشرية بالاقتصاد، والاقتصاد يعني بشكل أو آخر الفلوس وتداولها؛ قضية التليفزيون المصري وتطويره لو قلَّبتها يمينًا ويسارًا، فوق وتحت ستجدها أولها وآخرها مشاكل مادية متعلقة بالفلوس وتوفرها وتداولها.
هناك أعباء مالية متراكمة على ماسبيرو: مديونيات خارجية مثل سداد أصل وفوائد القروض التي حصلت عليها وزارة الإعلام الملغاة والتي لم يعد لها وجود، ورث التليفزيون مديونياتها بقسمة غير عادلة وزعت معظم الأصول والصلاحيات على جهات أخرى وكُبلت الهيئة الوطنية للإعلام المنشأة حديثًا بعبء سداد هذه الديون.
أيضًا هناك دين ضخم مادي وأخلاقي، هو مستحقات أصحاب المعاشات، هي أموال استقطعت من دخولهم وكانوا يستحقون الحصول عليها طوال مدة خدمتهم التي تتراوح بين الثلاثين والأربعين عامًا، وعندما جاء السداد اكتُشف أنّ الدولة لأسباب معروفة فقدتها، وحُمِّلت الهيئة الوليدة مسؤولية سدادها، دون أن تكون هناك ميزانية للسداد!
والحلول المطروحة، التي جرى تنفيذ بعضها فعليًا تعتمد غالبًا على الاستقطاع، بشكل أو آخر، من مستحقات العاملين الحاليين لسداد مستحقات العاملين السابقين، دون أن تُمَكّن من حل جذور المشكلة.
بالإضافة لذلك هناك التزامات اضطرت إليها الهيئة بعد أن كُلفت جهات خارجية بإدارة ما سُمّي ملف تطوير ماسبيرو، وهو ملف عقيم فيما يبدو، لم يعتمد على نية واضحة للتطوير (كما يظهر من النتائج على أرض الواقع) تطوير بعد تطوير، وجِهَة تلو أخرى تجيء بهُلَّيلَة وتذهب هباء في يوم وليلة، تاركة وراءها مبالغ ضخمة على الهيئة الالتزام بسدادها دون جدوى تذكر أو طفرة تُقَدَّر.
وبينما تحرص الهيئة -فيما يبدو رغمًا عنها- على سداد هذه الالتزامات بما فيها الأجور الضخمة التي تعاقدت معها شركة التطوير الراحلة، تتجاهل حقوق العاملين في المبنى بما في ذلك العلاوات الدورية والاجتماعية وعلاوات الغلاء وغيرها مما أقرتها الدولة للعاملين فيها ويحرم منها أبناء الهيئة بحجة عدم توفر تمويل، وتأخر هذه العلاوات بالإضافة للتأخر الوظيفي نتيجة تأخر الترقيات أو حتى توقف الترقي عند الدرجة الأولى تبعًا لقانون العمل القديم، والذي يعني أن الموظف على الدرجة الأولى سيظل في درجته الوظيفية من خمسة عشر إلى عشرين سنة حتى إحالته للمعاش، جمود وظيفي ومالي مُحبِط لا مثيل له في أي نظام عمل في العالم.
بعد ذلك يأتي عبء مالي آخر، لا يمكن أن تقوم للهيئة قيامة إلا بحسمه، وهو تطوير الإنسان، العامل في الهيئة، ولا أقصد هنا التطوير الفني والتقني والتدريب، فهذا أمر مفروغ منه، لكني أقصد إعانة العاملين على الاستمرار في العمل برفع أجورهم المجمدة عند سقف مالي ثابت منذ عشرة سنوات بدأت بكونه قيمة مادية معقولة وملائمة نسبيًا للأسعار في مصر، وليست أقل كثيرًا من قيمة الأجور خارج الهيئة، ثم مع التضخم بدأت لا تكفي الاحتياج، وبدأ العاملون يبيعون أشياءهم ويفرطون في تحويشات عمرهم حتى يتمكنوا من إعالة ذويهم من ناحية والتمكن من الصرف على ماسبيرو أيضًا، فالعمل يتكلف أموالا وميزانيات الإنتاج لا تكفي وأحيانًا غير موجودة على الإطلاق، مع التصاعد السريع في الأسعار، أصبح العاملون في أزمة حقيقية بعد أن أنفقوا ما وراءهم وأمامهم على المبنى دون حتى كلمة شكر، فكأن الدولة لا تدرك أنهم موجودين من الأساس.
هذه المعضلة أولى وأهم المشاكل بحلها، فالعامل لم تعد لديه قدرة حتى على دفع تكلفة المواصلات للذهاب للعمل، غير قادر على إعالة أسرته، فكيف يعمل!
قديمًا قالوا: "الجيوش تمشي على بطونها"، الحقيقة أن جميع العاملين في الدولة هم جنود، وبصراحة؛ صاروا كما قال اليازجي: "خمص البطون من الطوى"، أي انكمشت بطونهم من الجوع، حتى لو كانوا سمانًا فإنهم كما قال الفنان عمرو سعد في فيلم حين ميسرة: "أمي بتتخن من الجوع يا بيه" أوزان سببها سوء التغذية وليس التخمة. ويا ليت الهيئة توفر نظامًا تأمينيًّا ملائمًا لعلاجهم، لكن في ذلك حديث أيضًا يطول.
بعد ذلك ننظر للعمل، وأول ما نواجهه هو أدوات الإنتاج، التي كنا نفخر بامتلاك التليفزيون عددًا لا يستهان به من عربات ووحدات البث الخارجي، واستوديوهات عديدة رائعة وفسيحة أنتج فيها أهم الأعمال الدرامية والبرامج ونشرات الأخبار التي ماتزال راسخة في الوجدان الجمعي للمشاهد المصري، لكن منذ عام 2009 (تقريبًا) لم يتمكن التليفزيون من تحديث معداته إلا في أضيق الحدود، وبالتالي صارت معظم المعدات غير ملائمة لظروف التشغيل، خاصة وهذه الفترة حدثت فيها أكبر طفرات التحول التكنولوجي في تاريخ أعمال البث السمعبصري على مستوى العالم، أي أن معدات التليفزيون المصري أصبحت حرفيًا خارج التاريخ، ناهيك عن كونها تستخدم بشكل مكثف لتلبية احتياجات البث المتزايدة خاصة في نقل مباريات الكرة وأنشطة رئاسة الجمهورية وتغطية الفعاليات الكبرى التي تحدث في مصر، كل ذلك جعل المعدات الموجودة والتي يبذل العاملون جهدهم وصحتهم للحفاظ على بقائها في العمل، تخرج رغمًا عن الجميع لاحتياجها لقطع غيار وهذا يحتاج فلوسًا والفلوس غير موجودة.
بعد ذلك نأتي لمرحلة الإنتاج، وطبعًا لا يمكن تصور أن مصنعًا ضخمًا مهما كانت تجهيزاته قد يربح لو لم ينتج، وكيف ينتج وليست فيه مصاريف إنتاج؟
مجرد حركة سيارة البث في الشارع تحتاج إلى مصاريف ضخمة، مرورها عبر البوابات على الطرق بين المدن لأداء مهمة يكلف عدة آلاف، أذكر أن جهة ثقافية تتبع الدولة طلبت حوالي ستين ألف جنيه فقط مقابل أن تقف سيارة التليفزيون في الجراج الخاص بها بينما كان على التليفزيون تغطية فعالية ثقافية ستقام في إحدى قاعات هذه الجهة، وهذا موضوع يحتاج نقاشًا خاصًا، فما الذي يعود على الدولة إن كانت هيئاتها المختلفة تمتص التمويل من بعضها البعض وتحسبه كأنه عوائد استثمار، وهو في الواقع معوّق في سبيل تقدم الدولة كلها.
هناك مصاريف لابد منها، هناك انتقالات ومصاريف إقامة، وتشغيل لن يكون ممكنًا بدونها إحراز أي تقدم في أي نشاط إعلامي.. قائمة هذه التكاليف طويلة لكنني أتجاوز عن ذكرها لتجنب الإطالة خاصة أنها منطقية ومعروفة، وباختصار هناك فلوس يجب أن تتوفر.
إذًا، فالتطوير أبوه وأمه (فلوس)، لو لم تتوفر الفلوس انسَ إمكانية حدوث أي تقدم يذكر في الإعلام الرسمي، لا تغيير الأشخاص سيفرق، ولا المفاهيم، ولا السياسات الإعلامية، هذا جميعه يأتي بعد توفر النفقات: نفقات سداد أعباء الماضي، ونفقات الوفاء بمتطلبات الحاضر، ونفقات العمل من أجل المستقبل.


