مرحبًا بكم في ديدالوم مجمع الفنون

منصة الفن والأخبار الثقافية الرائدة

أحدث الأخبار والمقالات

بحث Search

‏إظهار الرسائل ذات التسميات 2022. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات 2022. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، ديسمبر 25، 2024

The Milky Way قليل من البهجة لا تعني أن الفيلم أقل فنية

The Milky Way Clint Till Short narrative - Comedy - 2022


  لطالما نظرنا إلى الفيلم الكوميدي على أنه أقل فنية.. درجة أدنى على سلم الفن الرفيع. تهمة أحيانًا يحاول الفنانون نفيَها عن أنفسهم حتى لو لم يعلنوها صراحة لكنها مضمرة في نفوسهم وقت صناعة الأفلام، مما يجعلهم عمليًا لا يهتمون كثيرًا بالصنعة ويهملون الدقة ويتغاضون عن التفاصيل، لأنه فيلم (مهما كان) كوميدي؛ لن يلقى الثناء على أية حال من النقاد أو الصفوة وسيظل في قائمة الأفلام التجارية التي يؤمها الجمهور بالملايين ويتعالى عليها المثقفون فرادى ومجتمعين.


  ربما تكون تلك النظرة موروثة من تقاليد فنية موغلة في القدم، من أيام المسرح الكلاسيكي اليوناني وقواعده التي نظرها وسجلها أرسطو وتم إحياؤها حديثًا واعتبارها مرجع الفن الدرامي الأول، ورغم ما مرت به معتركات الحياة الفنية من نزعات ومدارس وثورات خلال القرنين الماضيين؛ بقيت ظلال من هذه الصورة في الأذهان والعقول.


  كلينت تيل Clint Till مخرج وكاتب فيلم Milky Way انتهج طريقًا معاكسًا لهذه الفكرة، لأنه حسب قوله: 

  "من المهم صنع أفلام كوميدية الآن، يحتاج الجمهور إلى الهروب، وأحب أن أكون الشخص الذي يجعلهم يضحكون".

من خلال هذه النظرة وتلك الفلسفة التي نراها إلى حد بعيد أصابت كبد الحقيقة، قدم لنا كلينت تيل عدة أفلام قصيرة مبهجة مصنوعة بحرفية عالية ودقة متناهية في الاهتمام بالتفاصيل، ورغم ما تتميز به من كوميديا اجتماعية خفيفة ومبهجة، لا تخلو من رقي ورفعة فنية وصنعة متقنة مع عدم الانزلاق والتردي في حفر الاستسهال وأوحال الرخص والابتذال الذي ما نزال نرى الكثيرين يعتبرونه الطريقة الوحيدة لاقتناص الضحكات من جوف أفواه المشاهدين، وحلب الأموال من جيوبهم.


 ميلكي واي أو الطريق اللبني (من اللبن أو الحليب) هو فيلم بسيط يدور حول موقف ربما يكون مألوفًا بالنسبة لأي زوجين حديثين في أي مكان حول العالم: بيدج (الزوجة الشابة) وزوجها جاريد يعانيان من عذاب الاعتناء بابنتين واحدة منهما حديثة الولادة. 


  تقرر الزوجة شراء معدات إرضاع لجمع لبن الأم وحفظه في زجاجات بلاستيكية لتتمكن الصغيرة من تناوله لاحقًا دون أن تتسبب في تعذيب الأم التي لم تستطع احتمال الرضاعة الطبيعية وفي نفس الوقت لا ترغب في أن تعرض ابنتها لأمراض مستقبلية ومعاناة نتيجة تناول الألبان الصناعية.


  يبدأ الفيلم بوصول الطرد الذي يحوي هذه المعدات والتي كانت الأم تظنها سهلة الاستعمال لكنها تفاجأ بكتاب تشغيل يزيد ربما عن أربعمائة صفحة، فتبدأ رحلة الزوجين مع فك طلاسم الجهاز وتجارب التشغيل الفاشلة أو التي يتم إفشالها من خلال مواقف ومفارقات كوميدية عديدة، لكن الشابة الدؤوب تستمر في المحاولة رغم الإرهاق والصدمات والحوادث التي تمر بها حتى تنجح أخيرًا في مهمتها وتعبئ عدة زجاجات باللبن الذي يستمر صالحًا للاستخدام (حسب كتاب التشغيل) لمدة أربع ساعات (إذا حفظ في الثلاجة الكهربائية). لكن مع لمعة الفوز في عينيها تنقطع الكهرباء ويجيء خبر كالصاعقة عليها إذ يعرف الزوج من خلال تطبيق على الهاتف أن انقطاع الكهرباء العرضي سيستمر لمدة تتراوح بين الخمس والست ساعات.. يعني اللبن سيفسد.


  المفارقة الساخرة أو ال irony هي الوحدة التي تشكل التقنية الفنية الرئيسية التي يُبني الفيلم بتكرارها، المفارقة منذ اللحظة قبل الأولى حيث العنوان (الطريق اللبني)، وهو اسم مجرتنا التي نعرفها أيضًا في اللغة العربية باسم (درب التبانة)، هذه الإشارة الكونية الجادة والمهمة والضخمة تمتزج بمعنى آخر بسيط يعتمد على المعنى اللفظي المباشر لكلمتي Milky (لبني) وWay (طريق أو طريقة).


  مفارقة أيضًا عندما يعرف الزوج سعر هذا الجهاز الجديد فينصدم بينما هي سعيدة بآلتها الجديدة، تلحقها سريعًا مفارقة أخرى إذ تكتشف الزوجة أن الجهاز الذي يعلنون عنه بوصفه (سهل الاستخدام) سيتطلب منها قراءة كتيب التشغيل الضخم. عندما تصل الأم مداها من الإرهاق وتفكر في الاسترخاء أو الراحة قليلا تتسلل طفلتها الشقية فتزيد سرعة الجهاز مما يسبب صعقًا كهربيا للأم، التي تجاهد وتناضل وتستمر في المحاولة بعد أن اصطحب الأب الطفلة إلى الحديقة وعندما تستطيع أخيرا تشغيل الجهاز وبينما هي مربوطة بوصلاته يطرق الباب مبشر إنجيلي شديد الإصرار على تقديم عظة لها حتى بعد أن تخبره بأن الوقت ليس مناسبًا لكنه يلح مؤكدًا أن الحديث لن يستغرق سوى بضعة دقائق، فتضطر أخيرًا للاستجابة لتوسلاته وتفتح الباب بينما زجاجات الحليب وخراطيم المضخة موصلة بصدرها فيفاجئ المنظرُ المبشرَ الذي كان للمفارقة قد بدأ يتلو من خلف الباب نصًا إنجيليا يتحدث عن خروج موسى بقومه من مصر واعدًأ إياهم بأرض ملؤها (اللبن والعسل)!!

وأخيرًا طبعًا مفارقة انقطاع الكهرباء التي وصلت بالصدمات الكوميدية مداها.

  قد يكون اختيار الممثلين أو الكاستينج من أهم أسباب نجاح هذا الفيلم وربما كل الأفلام الكوميدية، لورين كوكس في دور بيدج وإيفريت أندرسون في دور جاريد، وفي دور القس خفيف الظل كاتريك كوبلاند وأخيرًا الطفلة زوي لوندن التي أدت دور الابنة الشقية، الجميع كانوا مناسبين جدًا لأدوارهم سواء بالبهجة التي تشيعها وجوههم البسيطة التي تشع طيبة وودًا وتعطي صلة مباشرة بين الشخصيات والمشاهد الذي يرى نفسه بسهولة فيهم، وأيضًا أداؤهم الذي يمتاز بالسلاسة وعدم التكلف والتعايش التام مع أدوارهم وهو الأمر الذي يبدو للمشاهد سهلا لكنه وقت التصوير قد يكون شاقًا إلى حد بعيد حتى لا يتردى الممثل في فخ السطحية. حتى الطفلة زوي كانت مندمجة تمامًأ في الدور تؤدي باحترافية عالية وهو أمر من الصعب إحكامه للغاية عندما نتحدث عن طفلة لا تتعدى السنتين أو الثلاث سنوات ومطلوب منها الالتزام والتعامل مع الموقف الذي تمثله والممثلين الذين معها والكاميرا والمخرج وفريق التصوير الذي مهما كان صغيرًا فوجوده قد يكون مربكًا لصغيرة في هذا السن، لكنها مع ذلك أدت دورها بإتقان ملفت، وهو ما نستطيع بسببه الثناء على المخرج الذي لم يتساهل مع دورها وبالتأكيد تطلب الأمر تدريبًا لها ومعايشة بينها وبين أجواء العمل لتصل إلى الظهور على الشاشة بهذا القدر من الإجادة؛ فمن المعروف أن توجيه الأطفال من أكثر التفاصيل صعوبة في العمل السينمائي.


  استطاع صانع الفيلم أن يضفي ما نسميه بهجة، فلا نقول كوميديا أو استجلابًا للضحك؛ بل هي حالة من السعادة تتجلى في جميع التفاصيل: موقع التصوير البسيط الذي رغم أنه ليس ضخما لكننا يمكننا وصفه بأنه منبسط، شقة نرى منها غرفة معيشة ومطبخ مفتوح عليها وغرفة أخرى للنوم لا ندخلها لكنها تبدو في الخلفية ويفترض أن الرضيعة (التي لا نراها طوال الفيلم لكن فقط نسمع صوتها) موجودة فيها. الاكسسوار من لعب الأطفال الملونة بألوان زاهية منتشرة في كل مكان. غطاء الأريكة الصوفي الملون. الإضاءة من طبقة إضاءة عالية High Key وتباين منخفض استخدم لتحقيقه الضوء الناعم كما حاول مدير التصوير تأكيده من خلال فلاتر التنعيم والدخان الخفيف (الذي ربما كان مبالغًا في بعض اللقطات). أيضًا حركة الكاميراً الناعمة المحدودة التي لا تخطف العين وأخيرًا حركة الممثلين التي بدت مصممة بعناية لتبدو كما لو كانت حوارًا خاصًا راقصًا متناغمًا يوازي جمل الحوار المنطوقة ويؤكد روح الفرحة والأمل المستمر بطول الفيلم رغم الصدمات التي تصيب شخصياته، لكن روحهم المتألقة تؤكد يقينهم بقدرتهم على الصمود والتحدي والتخطي.


  الموسيقى أيضًا في الخلفية أكدت روح المرح هذه رغم أنها ليست مؤلفة خصيصًا للفيلم لكنها اختيرت بعناية من موسيقات مرحة لها تاريخ دلالي راسخ في أذهان الجماهير، ربما؛ ليس في الولايات المتحدة فقط بل في مختلف دول العالم، وسيذكر المشاهد حتى عندنا بعض هذه الألحان سمعها مرة أو أخرى في خلفية فيديو لعيد ميلاد أو لحفل سبوع مولود جديد، فقد كانت تأتي ضمن برامج المونتاج الخاصة بالهواة كمرفقات للتجربة، لذلك فمجرد توظيفها حقق توليدًا لعواطف وذكريات لا نهاية لها لدى المشاهدين، ومعظمها دون شك ذكريات مبهجة.


  فيلم (الطريق اللبني) هو فيلم قصير يمارس باحتراف هوليودي لعبة البهجة، ويتوغل بهدوء حكيم في اليوميات البسيطة لحياة الناس العاديين، حيث لا يشترط أن يكون الموضوع خرافيًا ولا الشخصيات خيالية لتصنع فيلمًا جميلا يسجل اسمك في التاريخ المنصف لفن السينما.

أحمد صلاح الدين طه

الأربعاء 25 ديسمبر 2024

dedalum.info@gmail.com

 

 لمشاهدة الفيلم.. اضغط هنا


The Milky Way Clint Till Short narrative - Comedy - 2022

 

السبت، مايو 11، 2024

Merger فيلم رعب لا تشاهده إن كنت موظفًا مخلصًا

 

Merger,2022,Daniel Negret,Nick David,Jonas Tesifa,

  إذا كنت كذلك، موظفًا مخلصًا ممن اعتادوا أن يحتفوا أول مايو بعيد العمال، يجلسون قبالة شاشة تليفزيون قديمة تعرض عليهم فيلم الأيدي الناعمة الذي يعلي قيمة العمل ليس كوسيلة للحياة ولا كعبادة لوجه الله؛ لكن كقيمة مفارقة لن يتحقق الإنسان إلا به من وجهة نظر (توفيق الحكيم) مؤلف القصة و(محمود ذو الفقار) مخرج الفيلم القديم ذي الألوان الناعمة وشاشة السينما العريضة.. إذا كنت هذا الشخص.. عفوًا، لا تشاهد Merger، ليس هذا الفيلم لك؛ بل إنك قد تجد فيه تجسيدًا لأعنف مخاوفك وأقسى كوابيسك.

 

  فيلم Merger أو (المازج) ربما يمكنك أيضًا ترجمته إلى الخلاط.. المعصرة.. المطحنة أو حتى بتصرف يمكنك تسميته (المعجنة) والتسمية الأخيرة بالمناسبة وجدتها مكتوبة بخط مرتبك بجوار مدخل أول مكان عملت به في التليفزيون منذ عقود، وللمفارقة ماتزال الكلمة مكتوبة في نفس المكان رغم التنظيف والطلاء، والعصور التي مرت عليها؛ كما لو كان لا أحد غيري يلاحظها أو أن الجميع يرونها ويتواطأون على بقائها، بل ربما هناك من يجددها ويحافظ على حضورها باستمرار في ذهن من يلج برغبته وبكامل قواه البدنية والعقلية معجنة العمل السعيدة.

 

  Merger يصنف على أنه فيلم رعب قصير، إنجليزي، من إخراج وتأليف دانيال نيرجيت Daniel Negret وتمثيل نيك دافيد Nick David وجون تيسيفا Jonas Tesifa، الفيلم حاز عدة جوائز في مهرجانات غربية كأفضل فيلم وأفضل فيلم رعب وأفضل مخرج. وللحق نستطيع رفعه من التصنيف كفيلم رعب؛ مَن وضعه في هذه الفئة دون شك لم يختبر من قبل رعبا حقيقيًا، قد نعتبره فيلم مصارحة رمزيًّا أو تعبيريًا يطرح تساؤلا ثوريًا عن النظام العالمي وتسلط الرأسمالية والشيوعية اللتان اكتشف العوام مؤخرًا أنهما وجهان لعملة واحدة وخُطـَّـتان تختلفان في الأساليب لكن الهدف واحد؛ تحويل الإنسان إلى ترس في آلة ضخمة، يؤدي عمله بسعادة ورضى سواء أدى هذا العمل من أجل تسديد ديونه من القروض التي يحقق بها ذاته، أو على الطرف الآخر يعمل من أجل المبادي التي يسعى لها ويسعد بها فيستمر في العمل ولا تتوقف عجلة الإنتاج أبدًا، لكن المستفيد الحقيقي من طحين عجلة الإنتاج هو هؤلاء الذين يسكنون في الأعالي سواء كانوا أصحاب الشركات أو القادة السياسيين الذين لا يقترضون من أجل بيت وسيارة، ولا يؤمنون بالمبادئ التي يدعون إليها.

 

  يعرض الفيلم مشهدًا يوميًا نعرفه جميعًا كموظفين مخلصين: واحدٌ منا.. من هذه الفئة التي تستعذب الاندماج التام في وظيفتها، بينما العمل يفكر فيها فقط كوجبة دسمة سيلتهمها عما قريب كما التهم الآلاف عبر السنين دون أن يعنوا لأعمالهم أو لأصحاب هذه الأعمال إلا ما تمثله الدواجن لصاحب المزرعة.

 

  يبدأ الفيلم بلقطات عامة لحي مال وأعمال في مدينة فخمة ضخمة، يتضح ذلك من المباني الشاهقة، ناطحات السحاب الزجاجية المصممة لتوفير الطاقة لملاك الشركات نهارًا، أما ليلا كما هو حالها الآن تظهر من خلالها أضواء خافتة تشير إلى أن كثيرًا من الدؤوبين ساهرون -لا يزالون- يؤدون أعمالا إضافية، شغفًا.. ربما، وربما رغبة في الترقي وأملًا زائفًا في تخطي المرحلة اقتداء بثور صلاح جاهين الذي خاطبه في الرباعية الشهيرة التي تقول:

 

"اقلع غماك يا تور وارفض تلف

اكسر تروس الساقية واشتم وتف

قال هي خطوة كمان وخطوة كمان

لاوصل نهاية السكة.. للبير يجف.. وعجبي"

 

  طبعا كما تصور جاهين، والقارئ لكلماته؛ لن يجف البير أبدًا، والسكة دائرة، حلقة مفرغة لا نهاية لها، إلا إن كانت الغايةُ نهايةَ الموظف نفسه كما يصورها هنا بقسوة فيلم Merger.

 

  الموظف هنا ساهر وحده في صالة ضخمة ملأى بأجهزة الكمبيوتر غير جهازه الذي يمارس عمله عليه باندماج تام نلاحظه من خلال اللقطات المقربة الكثيرة القصيرة، سريعة الإيقاع، أصابعه تضرب بعنف لوحة المفاتيح والأرقام على الشاشة تتغير، قدمه تهتز بإيقاع لاهث يوضح مدى استغراقه، وفي أذنيه سماعات يبدو أنه يسمع من خلالها موسيقى تساعده على تسريع وتيرة العمل، وهي في نفس الوقت تمنعه من سماع رنين هاتفه الذي يحمل له اتصالًا من شخص قلق عليه، من خارج دوامة العمل، يظهر الاسم على شاشة الهاتف Izzy ربما تلك زوجته أو أمه التي تظهر معه في صورة صغيرة أمامه على المكتب.. لا يهم مَن، لكنه شخص ما مهتم لأمره أفقده التواصلَ معه الاندماجُ في العمل، هذه الحالة التي نعيشها جميعًا، طبقة الموظفين في العصر الحديث، حيث علاقتنا بالعمل قَطَّعت بجشع كل صلاتنا بعوالم أخرى كانت دائمًا الداعم والسند للإنسان في تحقق إنسانيته مثل الأسرة والأصدقاء.

 

  نلاحظ تكرار الضغط على حرف F اللاتيني في لوحة المفاتيح، لا يمكن أن نخطئ الإشارة التي يقدمها لنا المخرج تارة من خلال التكرار لنفس الحرف، وتارة بكونه الحرف الوحيد الذي يظهر في بؤرة العدسة، في منطقة الوضوح (Focus) بينما جميع الحروف الأخرى مشوشة. لكن ما الذي يشير إليه هذا الحرف، إنه واحد من أكثر الحروف استخدامًا في اللغة الإنجليزية، هناك حوالي أربعة آلاف كلمة أساسية تبدأ به، غير مشتقاتها اللانهائية، أي كلمة يمكن أن يشير إليها، وأي رمز أقرب إلى حالتنا هذه؟!

 

  يحملنا السياق العام للفيلم والحدث الرئيسي إلى تذكر كلمات بعينها: flee، free، fear، far، factory، family، failure، facts، face، fence، الطابور طويل جدًا ومن الصعب التركيز على كلمة واحدة، لماذا يركز المخرج على هذا الحرف. الكلمات التي استدعيناها سريعًا من ضمن آلاف البدائل الأخرى هي الأقرب إلينا أثناء مشاهدة الفيلم -وربما بتأثيره- تحمل في أغلبها معانٍ متصلة بالرعب والفرار والحدود والنهاية، وإذا عدنا للاختصارات الشائعة كمرجعية، نجد أن حرف F يستخدم بديلًا لكلمة امرأة female أو نسوي Feminine، والمرأة في هذا الفيلم غائبة حاضرة، ربما تكون رمزًا للنجاة أو فرصة النجاة الوحيدة للبطل والتي يغفل عنها عندما كان بإمكانه التواصل معها، ويعجز عن الوصول إليها عندما تصبح خياره الوحيد.

 

  يُستخدم حرف F أيضًا دليلًا على الفشل في الامتحانات المدرسية في بعض الأنظمة التعليمية في الغرب التي تتدرج فيها نتائج الطلاب من حرف A بمعنى ممتاز إلى حرفنا هذا الذي يعني راسب، آخر أقرانه أو فاشل تمامًا.

 

  هناك أيضًا استخدامٌ قد يكون ملائمًا إلى حد بعيد لموظفنا المجتهد، وعمله المرتبط بالكمبيوتر؛ حيث أصبح شائعًا عند المولعين بألعاب الكمبيوتر في العقود المتأخرة استخدام حرف F للتعبير عن الاحترام أو أداء التحية لشهداء الواجب (طبعًا في الألعاب الإلكترونية)، وقد تولد هذا المعنى من خلال لعبة كانت شائعة وربما ماتزال تحديثاتها تلقى رواجًا اسمها Call of Duty أو نداء الواجب، وفيها يلقى صديق البطل حتفه مضحيًا بنفسه، ويكون على اللاعبين تقديم التحية الواجبة له من خلال هذا الحرف، وهو ما جعل استخدامه في الألعاب الحربية شائعًا ويشير إلى التضحية والفناء من أجل الآخرين والتقدير لهذه الروح البائسة. وكذلك أيضًا صار هذا الحرف يستخدم بنفس المعنى في تطبيقات المحادثات عبر الإنترنت.

 

  ولا ننسى طبعًا الاستخدام الأكثر شيوعًا للحرف F كبديل لكلمة تعد بذيئة في السياقات الرسمية وترفع تصنيف الأفلام من (مشاهدة عامة) إلى (ممنوع إلا برقابة عائلية)، نعم الكلمة التي تتردد كثيرًا في الأفلام الأمريكية مما جعلها على ألسن الشباب حول العالم، والتي تترجم عادة إلى (تبًا لك)، وهي في الواقع لا تقال أبدًا في الغرب بمعناها الحرفي، لكنها اكتسبت معنى معاصرًا أقرب للترجمة العربية المهذبة، نستطيع أن نقول إنها صارت لفظة اعتراضية تشير إلى البؤس أو الغضب أو الحنق، وإذا تابعنا إيقاع ضربات أصابع البطل على لوحة المفاتيح، هذا الإيقاع الذي نسمعه بوضوح من خلال تراك الصوت، والذي يوقع هكذا: (تك تك تك تك.. دوم) فتأتي الدوم كل مرة مع ضغط حرف ال F مما يؤكد هذا المعنى في أذهاننا، خاصة وهو الحرف الذي يبدأ عنده التحول، حيث يعلق إصبع البطل داخله، ويحاول أن يخرجه دون جدوى، بل يزيد تعقيد الأمر عندما تعلق يده الأخرى (اليمنى) داخل الطاولة التي تلتهمه كله فيما بعد.

 

  إذًأ حرف F مدخل جيد يوحي للمشاهد ببؤس حال هذا الموظف الساهر المتماهي مع عمله لدرجة تنسيه نفسه وأهله، ونعرف من خلاله أن خطرًا عظيما محدق به. يتأكد الإحساس بالخطر من خلال اللقطة الافتتاحية الواسعة التي يظهر فيها البطل ضئيلًا متواريًا خلف إحدى الشاشات الكثيرة التي تملأ المكان، وأيضًا من خلال التكوين الذي يحصره أول دقيقتين من الفيلم داخل تأطير بصري من خلال خطوط زجاج عرضية أو بعض أثاث المكتب، الكاميرا موضوعة خلف أشياء تخفي أجزاء من وجهه لتؤكد أنه محبوسٌ دائمًا في حيز ضيق للغاية مهما كان المكان متسعًا.

 

  إذا كنت أنت وأنا، كموظفين، قد نتعاطف مع نظيرنا هذا (البطل)، لا يبدو أن صانع العمل يتعاطف معه، ليس لأنه غريب عنه، لكن ربما لأنه يمثل أسوأ ما في الإنسان العادي في العصر الحديث، المواطن في قرية صغيرة اسمها العالم يحكمها أصحاب رؤوس الأموال ومديرو الشركات والمجموعات الاقتصادية وصناديق الاستثمار. هذا المواطن الضحية يسلم نفسه بيده وبرضى تام لطاحونة الأبدان التي اسمها الوظيفة، ونشاهد معًا كيف أن لوحة المفاتيح والطاولة التي يجلس إليها الموظف تلتهمه في مشهد فنتازي صارخ ونسمع صوت عظامه ولحمه يفرم في فضاء مجهول حتى لا يبقى منه إلًا عصارة من دمه، والغريب أن عامل النظافة في الصباح، عندما يكتشف ما بقي من موظف الشفت المسائي، لا يبدو عليه الاستغراب.. فقط بعض الأسى يبدده بشرب بعض الخمر من علبة صفيحية يحملها في جيبه، وبهدوء قاتل يجمع الدماء في علبة بلاستيكية كالتي تستخدم في معامل التحاليل ويصعد سلمًا طويلا حيث يضع العينة داخل ثلاجة ضخمة مع عشرات العينات الأخرى التي توحي بأن الكثيرين سلكوا نفس الطريق من قبل، وهناك موظفون كثر ضحوا بأنفسهم لينتهي بهم الأمر عصارة في علبة عينات داخل ثلاجة ضخمة تمتلكها جهة العمل التي تمثل صاحب عمل لا يظهر أبدًا في الصورة لكنه موجود هناك بالأعلى دائمًا.

 

  الفيلم، رغم قصره الشديد حيث لا يزيد عن سبع دقائق؛ يحمل عمقًا فلسفيًا ونظرة تاريخية وتحليلًا وتأملًا لإنسان العصر الحديث وقضيته مع العالم ومع وجوده. الإنسان الذي يصارع من أجل تحققه فيجتهد ويجاهد ويصبر، يَقتُل ويُقتَل، يتصور نفسه منتصرًا أو في سبيله للانتصار، لكنه رغمًا عنه يحقق إخفاقًا تلو إخفاق وهو غافل في غمرة إنجازات صغيرة وهمية تغشي عينيه وتحجب عنه الرؤية والسمع رغم أن عينيه مفتوحتان عن آخر مداهما كما يظهر في اللقطات المقربة لعيني الموظف، وأذنه غارقة في موسيقى حماسية، لكنه أيضًا لا يسمع شيئًأ، إنه يَسمع غير مُسمَع، فلا يصل إلى أذنيه رنين هاتفه وهو إلى جواره.. يغفل عنه وفيه ربما نجاته.

  


 

Merger,2022,Daniel Negret,Nick David,Jonas Tesifa,

 

 

Translate ترجم إلى أي لغة

عام جديد سعيد 2026

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أرشيف المدونة الإلكترونية

شرفتنا بزيارتك أنت اليومَ الزائر رقم

Online Now


visitor counter