اعتدنا التعامل مع فيلم المومياء على أنه فيلم ينتمي لتيار المصرانية/الفرعونية في مواجهة تيار العروبية.
وعليه أصبح الجميع يصنفون شادي عبدالسلام كرمز من رموز هذا التيار الانعزالي الذي استشرى ليس في مصر فقط، لكن في مختلف الدول العربية مناديًا بأصولية أبعد من الانتماء العربي، وجذور أعمق من تاريخ العرب والعربية والعروبة في المنطقة، فالمصريون والعراقيون والشوام وأبناء تونس والجزائر والمغرب، وغيرهم، الكل ينتمي إلى جماعته، والعروبة والدين لا تكفي لتوحيد شعوب المنطقة.
ربما لا مجال هنا للحديث عن جدوى هذه الأفكار أو تبعاتها التي تفرق الكل وتحقق مآرب آخرين.. لكن دعونا نركز على الفيلم.. المومياء.
في المومياء لا ينقد أو يعالج شادي عبد السلام قضية مصرية محلية، رغم الظاهر والانطباع الأولي الذي يصل إلى المشاهد المكتفي بالمظاهر، لكنه يغوص في تناول قضية تخص العالم العربي كله لا مصر فقط.
قبيلة الحريبات التي تعيش على نبش قبور الأسلاف أو بيع كنوز الأرض التي لم يكن لها فضل في صناعتها، هي قبيلة عربية، إن لم يكن بجذورها، فبمظهرها، بتاريخها، بلسانها العربي الفصيح، وحتى بقضاياها الآنية.
شادي عبدالسلام ينقد المجتمع العربي وينتقده انتقادًا لاذعًا، وربما لذلك لن تجد مثقفًا عربيًا يشاهد المومياء، إلا ويشعر أن الفيلم يخصه، ينتمي إليه، يعيشه يوميًا كقضية كانت وما تزال تؤرق مجتمعاتنا، فهل كان شادي عبداليلام ليهتم بنقد العرب إلا إن كان يشعر بالانتماء إليهم، يؤرقه ما يؤرقهم ويبحث مثلهم عن المفتقد حقيقة والمتوفر وهمًا.
أن تنقد أحدًا، أو حالة، أو وجودًا؛ يعني أنك تحبه، تهتم لأمره، بل حتى عندما تعلن كرهك وبغضك له، فإن ذلك اهتمام شديد به، إذا كان المثل يقول: "ما محبة إلا بعد عداوة"؛ فليس ذلك إلا لأن إعلان العداوة هو أيضًا تصريح بأن من أمامك يهمك.. فقط عدم اكتراثك به هو الدليل الوحيد على أنه لا يعني شيئًا بالنسبة لك.
لذلك، وعلى خلاف الشائع؛ أرى أن شادي عبدالسلام كان من أكثر العرب عروبة، ومن أشد المصريين دفاعًا عن قضايا العرب كأمة واحدة، لاعرقية، فالعروبة عروبة اللغة والهدف المشترك والعدو الذي يلاقينا جميعًا ويؤرقه ذلك.. العروبة ليست جينات نقية وإنما مصير واحد شئنا أم أبينا.
أحمد صلاح الدين طه
1 مايو 2026








