آخر الأخبار

الخميس، أغسطس 03، 2017

دسباسيتو و أدب ديسباسيتو
Despacito

بورتو ريكو
   خلال أيام أصبحت الشغل الشاغل للعالم، حتى عندنا، نحن الذين لا نجد وقت فراغ بين حرب و ضرب، ثورة و ثورة مضادة، ماتش كرة و اعتداء جديد على الأقصى من قوى الاحتلال. حتى نحن و هذا حالنا نجد وقتاً للاستمتاع بأغنية ديسباسيتو و الترقص على أنغامها.. لا بأس، الترفيه مطلوب أيضاً، و "يعني هي جات علينا".

  تقبلنا ذلك، و اعتبرنا أننا "زينا زي غيرنا"، لكن فجأة تصدت وسائل الإعلام الجديد و العتيق لحملة عنيفة ضد كلمات الأغنية، التي لم نكن نفهمها و ربما لازال معظمنا يجهل معانيها. المذيعون في الفضائيات يصرخون:"انتوا فاهمين دي بتقول أيه؟!"، و الفيديوهات تنتشر سريعاً لشباب عربي لا يبدو من مظهرهم أنهم يمكن أن يكونوا مدافعين عن القيم و لا التقاليد و لا العقيدة. لولا أنهم يتحدثون العربية لما شككت لحظة في أنهم من بورتوريكو نفسها، و ربما لا يختلفون عن من يعملون في الملاهي الليلية لأي مدينة سياحية، لكنهم يصيحون بدهشة: "هذه كلمات قبيحة، كيف كنا نرددها، أووف".. تداري الفتيات أعينهن في خجل، و يتلعثم الفتية و يبتسمون بحياء غير مصطنع، و ما هذا كأن الجميع أصبحوا فجأة طيبين، مؤمنين، صالحين.. من سيدخل النار إذا؟
إذا كان الحياء منتشراً عندنا إلى هذه الدرجة، فعلى من ستقوم القيامة؟

  بصراحة، هذه الحملة - مثل غيرها من الحملات الإعلامية الصاخبة - أجد غصة في حلقي تجعلها غير "مبلوعة". نفس هؤلاء الطيبين كانوا يترقصون بالأمس القريب على نغمات أغانٍ أجنبية مثل (بووم بووم) و (باربي جيرل) تحمل من المعاني - سواء بالتلميح أو التصريح - أكثر بكثير مما تحمل هذه الأغنية. أيضاً هؤلاء أنفسهم دعموا إعلامياً إنتاج أنواعٍ من الانحطاط و الرداءة لا يمكن أبداً أن نعتبرها غناءً، و لا فناً، لكنهم جعلوها على كل لسان، و هي بالمناسبة تحمل من الألفاظ، و التلميحات، و الإشارات ما يعف معه القلم و اللسان أن يذكراه.

  إذاً، لماذا تابوا كلهم أجمعين، هكذا و في لمح البصر؟
  طبعاً نحن لا نحاسبهم على التوبة، ليس هذا شأننا، ربنا الهادي و هو قادر على كل شيء.
  لكن فقط نتساءل محاولة للفهم، حتى لا يتركوننا كالبطيخ في سوق العبور، يقلبه المشترون في أيديهم، دون حول و لا قوة.
  هل المسألة نوع من الحسد؟
ربما، فقد استطاعت الأغنية أن ترفع تقييم بورتوريكو على قائمة المواقع السياحية، و ستستطيع بذلك أن تدعم موقفها الائتماني بعد شهرين فقط من إعلان إفلاسها.

  لكن إذا كان الأمر كذلك؛ فعلينا أن نتريث قليلا، و لا نحملق في الكحكة التي في يد اليتيم، و أيضاً لا ننتظر أن تحل مشاكلنا أغنية، فأزمة السياحة عندنا لن تحلها لا أغنية، و لا حتى سيمفونية.

أحمد صلاح الدين طه












الأحد، يوليو 30، 2017

إنتاج النماذج الأثرية.. استنساخ الماضي تطلعاً إلى المستقبل


إنتاج النماذج الأثرية..

استنساخ الماضي تطلعاً إلى المستقبل



 دكتور عمرو الطيبي مدير مركز النماذج الأثرية

عابراً إلى الخارج من مطار القاهرة، دون شك ستدهشك إطلالة (سِرقت) المعبودة الفرعونية الحامية من لدغات العقارب. إطلالة مميزة، و دقة يتساءل معها البعض عن إمكانية أن تكون أثراً حقيقياً.. الواقع هي مجرد نموذج بسيط من إنتاج إدارة مخصصة لاستنساخ آثار مصر عبر العصور، بدقة متناهية و أمانة مدهشة.

ربما لا يعرف البعض أهمية إنشاء إدارة أو مركز كهذا، لكن بقليل من التفكير ستجد أن أهميته لا حدود لها.
هل لازلنا نذكر كيف استقدمت الدولة المصرية قبل سنوات فنانين و فنيين كوريين لإنتاج مجسمات و رسومات تعبر عن بطولات المصريين في حرب اكتوبر، ألا يشعرك ذلك بالتدني عندما تستجلب من يصور لك تاريخك الذي لا ينتمي إليه و لا يمثل بالنسبة له أكثر من ( سبوبة ) يرتزق منها بعض الوقت.. إذا كان ذلك يسوؤك فاعلم أن الأمر أكبر و أسوأ من ذلك بكثير، إنه لا يتعلق فقط بتلك الغصة التي تلحق أبناءك عندما يزورون بانوراما أكتوبر و يسألون عن من صنعها فيخبرهم القيمون على العرض أن "الكوريين فعلوها" إحساسك حينها أمام أبنائك أن: "حتى النصر اللي حيلتنا أصبح بعيون آسيوية ضيقة".. ذلك ليس كل شيء؛ فللموضوع أبعاد أخرى ثقافية و اقتصادية أيضاً.

  من الناحية الاقتصادية، عليك فقط أن تتجول في أسواقك السياحية، حاول أن تجد ما يعبر عنك أو ما ينتمي فعلاً لمصر. حاول أن تجد منتجاً أنت صانعه بيديك يشتريه السائح أو الزائر ليصدره إلى بلده و تكسب أنت و مجتمعك مقابله مالاً يزيد عن سمسرة التجارة و لو قليلاً.
  لازلت أذكر وجه زميلة صينية أرادت شراء بعض الهدايا من المنتجات المصرية تعود بها إلى أهلها و أصدقائها في بلدها، تعرفهم هناك بمصر، و تتذكر هي رحلتها كذلك. حينها أخذناها إلى خان الخليلي، سوق التحف الأشهر بالقاهرة. تجولت ساعتين ثم عادت إلينا خائبة تضحك أو ربما تضحك على خيبتنا، و تقول: " لم أجد إلا فراعنة صينيين صغاراً، كل التحف هنا (صناعة صينية) أكاد أعرف كل منتج وجدته في السوق أين صنع، و أستطيع تخمين أسماء الرجال و النساء الصينيين الذين صنعوه".
أي عار لحقنا بعدما سمعنا منها هذه الكلمات.

  أيضاً، للمسألة بعد ثقافي أهم، تستطيع فهمه عندما تتأمل أهمية النمذجة، إنتاج نسخ عن أصل ما يتحول مع الوقت و إضافات منتجيه، و هم -حتى لو حرصوا- سيضيفون إلى النموذج الذي يأخذون عنه من ثقافتهم و بيئتهم و ملامحهم التي نشأوا فيها و ربوا عليها. فقط تأمل المستنسخات المصنوعة تعبيراً عن المسيح عليه السلام، لتلاحظ أن هناك مسيحاً أوروبياً ( هو الأكثر شيوعاً ) بملامح أوروبية. أشقر بشعر أحمر و عينين فاتحتي اللون. في المقابل ستجد المسيح الإفريقي بملامح أقرب ما يكون لسكان القارة. بين هذا و ذاك هناك العديد من الصور و التصورات لملامحه عليه السلام. تنتشر إحدى هذه الصور هنا أو هناك تبعا لانتشار و تسيد و قوة ثقافة من صدرت عنهم.
تأمل أيضاً مثلاً كيف تستخدم مستنسخاتٌ عن نفس الأصل لتمثيل تواريخ و قصصاً مختلفة. بالتأكيد مرت عليك صورة مار جرجس يصارع التنين، و هي نفسها يستخدمها صناع الرسوم الشعبية للتعبير عن أبو زيد الهلالي، و غير ذلك الكثير.

 إذاً، لو تركنا غيرنا يستنسخ لنا حضارتنا و ثقافتنا، علينا بعد زمن ألا نلوم إلا أنفسنا على محو هويتنا، رويداً رويداً. عندما نجد، و هو واقع قريب، ملامح المستنسخات الفرعونية و قد نحتت على نماذج لا تنتمي لا للفراعنة و لا أحفاد الأرض السوداء التي ورثناها. عندما نجد إمحوتب و قد صار مهندساً صينياً، و عمال بناء الأهرام هنديين، و نجد الرعامسة و قد صاروا حضارة بملامح بني إسرائيل.

  أما إذا أردنا اللحاق بالركب، و إنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فعلينا أن ندعم هذا المشروع و نتعامل معه كمشروع ثقافي و اقتصادي قومي. من ناحية الإنتاج الكمي لهذه المستنسخات، بمثل هذه الجودة التي لاحظناها، يمكن أن يعود بدخل لا يستهان به، فحتى لو لم تتعاف السياحة - لا قدر الله - قريباً سيظل تسويق هذه المنتجات عبر الإنترنت، و في الأسواق الخارجية متاحاً و سهلاً. و عندما يعود الأجانب إلى أسواقنا سيكون بإمكانهم أن يجدوا الملك توت كما تركوه، و يبقى توتُ توتاً واحداً.. يبقى توت عنخ آمون.

أحمد صلاح الدين طه

نفرتيتي









الأحد، يوليو 23، 2017

الموت على الهواء و من أجله أحياناً

الموت على الهواء و من أجله أحياناً
Irza Khan
Irza Khan

  هذا من العناوين الشيقة دائماً و التي تحقق أعلى نسب المشاهدات على مواقع الفيديو الشهيرة: " شاهد موت المذيعة على الهواء مباشرة "، أو أحياناً لا يكون الموت متعلقاً بمذيع أو مذيعة، لكن فقط أي شخص شهير، لاعب كرة، لاعب ساكس، أو أي لاعب في أي مجال.. ربما لا يكون الموضوع - أيضاً - مرتبطاً باللعب فقد يكون المرصود مصلياً تنتهي حياته ساجداً لله، أو عاكفاً على الصلاة (أياً ما كان دينه) المهم أن يكون على الهواء، و أن يدركه ملك الموت فيفقد السيطرة على جسده رويداً تجحظ عيناه، و تتراخى أطرافه، و يسقط؛ فيصيح الجمهور عبر الانتشار التفاعلي العنكبوتي سبحان الله، و غالباً سيداومون لفترة على الاستغفار، و يواظبون على الصلاح حيناً إلى أن تشغلهم الملاهي و ينسون.

  هذا تماماً ما حدث مع المذيعة الباكستانية إيرزا خان منذ أيام. مذيعة في مقتبل العمر لم تتخط الثمانية و العشرين عاماً، و هي تقدم فقرة ما على الهواء مباشرة، من مكان مكتظ بالبشر، و هو أمر عادي في بلد كثيف السكان مثل باكستان. فجأة ظهرت عليها علامات لا يفسرها الجمهور إلا بأن روحها تصَّعَد إلى حيث تنتهي كل روح إذا آن أوانها.. و سقطت.. سقطت بين جموع الناس الذين سارعوا إليها محاولين إنقاذها، لو كانوا يستطيعون. و بدا أنهم لم يستطيعوا.

   حملها بعضهم و غادر الصورة بينما زميلتها في الاستوديو منهارة تنوح، مذهولة لا تعرف ما تقول و قد بدت النهايات أمامها هكذا بسيطة إلى هذه الدرجة، مهما كان الجسد نابضاً، و الروح بضةً تشع حيوية و شباباً، يمكن أن ينتهي كل شيءٍ في لحظة، و خلال طرفة عين - كما يقال - يغير الله الحال إلى محال. لكن القصة لم تنتهِ؛ فقد كانت المفاجأة بعد أيام.

  بعد أيام تبارى فيها رواد وسائل التواصل، و أبناء المهنة، و محترفو الإعلام جديده و قديمه في التباكي و الاستغفار لأنفسهم و لها، كما راح البعض يستغل القصة للوصول إلى تعاطف جمهورهم، و الانتشار و جلب المزيد من الإعلانات، بعد كل ذلك ظهرت المذيعة من جديد و أبدت امتنانها لمن تعاطفوا معها، و انبهارها لوصولها إلى انتشار و شهرة و رواج ما كانت لتحققهم لو ظهرت آلاف الساعات على شاشات التليفزيون. لكنها أكدت أنها لازالت على قيد الحياة.

  هل تبدو تلك نهاية الموضوع؟
  بالنسبة لنا، لا.
  القصة أكبر من سقوط مذيعة عن كرسي و تصور الجمهور أنها ماتت. القصة بدأت فعلاً عند هذه النقطة، فبملاحظة بسيطة نرى عند سقوط المذيعة أنها تجلس على كرسي مهترئ، موضوع فوق رافعة غير مجهزة لأداء مثل هذا الدور، حتى أن الرافعة بمجرد سقوط حمل المذيعة اندفعت في الهواء حاملة أحد أفراد فريق العمل و الذي فيما يبدو كان دوره ( موازنة الثقل ) حتى ينتهي البث، و هو ما لم يستمر إلا لحظاتٍ انتهت بإصابة المذيعة بالدوار، و سقوطها بين جمهور من الناس ليس فيهم مسعف واحد، و هو ما يحدث عندنا في دول العالم الثالث يومياً.. نحن أيضاً نعيش نفس الظروف كل يوم، نغامر و نحاول أن نصنع شيئا من لاشيء، لكن ذلك فيما يبدو ليس شطارة منا، بل هو شطارة من أصحاب العمل، مديري القنوات و الوكالات و شركات الإنتاج الذين نجحوا في إقناع جميع العاملين في الميديا أن ذلك هو الاحتراف، فلابد للمحترف ألا يطالب ببيئة عمل سوية، فلا تأمين له أثناء مخاطرته، و لا مراعاة لآدميته عندما يحتاج راحة، لا إجازات، و لا ساعات عمل. لا خوف من الرصاص و أنت تقف أمامه بصدر مفتوح، و لا تطلب خوذة و أنت تقف تحت سقف آيل للسقوط.. استطاعوا إقناعك و إقناعي إقناع الجميع أن ذلك رفاهية لا يطالب بها إلا الهواة، لكننا اكتشفنا فقط بعد خبرات مؤلمة أن الهواة فقط هم من لا يهتمون بالعمل في بيئة آمنة، و لا يؤمنون أنفسهم.. المحترفون في كل العالم يحرصون على حقوقهم قبل أن يؤدوا واجباتهم. لأن من لا يفهم الراحة، لا يجيد العمل.

أحمد صلاح الدين طه


Irza Khan
Irza Khan


Irza Khan
Irza Khan


Irza Khan
Irza Khan





الخميس، يوليو 20، 2017

الإفراط في السعادة، بين أطيب قلب و معهد الإذاعة والتليفزيون

الإفراط في السعادة، بين أطيب قلب و معهد الإذاعة والتليفزيون

  بالأمس، كنت أصور حلقة من برنامج ( أطيب قلب )، و التفت انتباهي بشدة لواحد من أسئلة المعد النابه محمد نبيه، بسلاسته المعتادة و دقته التي ألفناها، سأل ضيفَنا و هو واحد من الناجين من براثن المخدرات:"أثناء إدمانك، هل أحببت ( هل وقعت في الحب )؟"
المذهل حقاً - أكثر من ذلك - كان إجابة الضيف: لم يكن الحبُّ ممكناً؛ عندما تقع في الحب، يفرز جسمك مادة هي المسؤولة عن شعورك بالسعادة.. المخدرات تحفز المخ لإنتاج هذه المادة باستمرار مما يجعل المدمن لا يستطيع التمييز بين السعادات التي ينالها وهمياً بشكل متواصل، فلا يعود يشعر بالسعادة، بل من المتوقع أن تتحول مع الوقت لاكتئاب ربما أنهى حياته على إثره.

  هكذا إذا، كما قال الأقدمون:"ما زاد عن حده؛ انقلب ضده"، حتى السعادة الإفراط فيها تفريط.

 
 إذا ما علاقة ذلك بمعهد الإذاعة و التليفزيون؟
ببساطة عندما استيقظت اليوم، فوجئت بإعلانات كثيرة عن دورات جديدة للمعهد، ذلك أمر جيد؛ العديدون انتظروا بداية العام المالي الحالي لبدء الدورات الجيدة و المهمة التي يعقدها المعهد. لكن لا أشك أن العديدين - مثلي - أصابهم الذهول عندما وجدوا المعهد يعلن أن الدورات الجديدة ستكون بمقابل مالي للجميع، بمن فيهم العاملون في الهيئة الوطنية للإعلام.

  ليس سيئاً أن يقدم المعهد دورات تدريبية بمصروفات، على العكس، هذه الفكرة طالما وقفنا إزاءها داعمين و مؤيدين، بل و انتظرنا أن يتم تطبيقها بفارغ الصبر؛ فدون شك تتكلف دورات المعهد مبالغ هائلة كل سنة، و هو أمر لم تعد الدولة تستطيع تحمله، و في نفس الوقت توجد العديد من المراكز و المعاهد الأقل تجهيزاً، و التي لا تضم كل هذه الكفاءات التي يتعاقد معها المعهد للتدريس و التدريب فيه، و هم أساتذة سواء في الحقل الأكاديمي، أو في المجال العملي، تجني هذه المراكز أرباحا طائلة ، و العديد منها لا يقدم للدارسين إلا القليل مما يمكن للمعهد تقديمه.

  هذا أمرٌ جيد، لكن الإفراط في ذلك، عندما يصل إلى التفريط في الدور الأساسي للمعهد يستلزم منا وقفة للفت نظر أساتذتنا القائمين عليه، لا سيما أستاذنا الدكتور خالد فتح الله الذي نشهد له بالإخلاص و الاجتهاد في التطوير و الرغبة الحقيقية للنهضة بماسبيرو مهنيا و اقتصادياً، لكن أستاذنا يجب أن لا ننسى أن الدور الأساسي للمعهد هو تطوير الأداء للعاملين في المبنى، و أيضاً التعاون في مجال التدريب مع المؤسسات التليفزيونية في الدول الشقيقة و الصديقة. هذه أهداف يجب أن تؤخذ في الاعتبار، و لا يجب أن يوضع في سبيلها أي عقبات، حتى لو كانت هذه العقبات ستعود بعائد ما على المعهد أو الهيئة، لأنه عائد وهمي، ما فائدة بضعة آلاف من الجنيهات، لو أتت ستكون خصماً من دخول العاملين التي أكلتها فعلياً زيادات الأسعار، مما سيجعل أبناء المبنى يفكرون مرة و ألف مرة قبل الانضمام لأي دورة، أين هذا من الحوافز التي كانت تقدم لهم يوماً لتشجيعهم على الاستمرار في التعلم، أذكر أننا كنا نحصل على مكافآت مالية عندما ننهي كل دورة تدريبية نلتحق بها، مع معاقبة من يرسب فقط بدفع تكاليف الدورة، هذا أمر لا خلاف فيه.

  لذلك نرجو من الدكتور خالد فتح الله، و معه النخبة القائمة على إدارة معهد الإذاعه و التليفزيون أن يراجعوا مسألة مصاريف الالتحاق بدورات المعهد، حتى لا ينتهي الأمر بإحجام العاملين عن الاهتمام بالتطوير المهني، و ذلك ما لا نود أبداً أن نصل إليه.

أحمد صلاح الدين طه

هل التليفزيون المصري رسمي؟

هل التليفزيون المصري رسمي؟


  كلمة رسمي هذه ليست كلها مزايا؛ فقد تستخدم للقدح كما تستخدم للمدح. أيضاً قد تعبر عن المكانة أو تستخدم للإدانة. إذا تلت اسم هيئة دل ذلك على أنها مضمونة بضمان الدولة، و إذا تلت مسبة اعتبرت دليلاً على وصول المسبوب أقصى درجات التدني. أما إذا ألحقت بكلمة تليفزيون، فهي تعني دون شك في مصر - حتى الآن - ماسبيرو، لكن هل ستستمر طويلاً عالقة بالاسم أم هي على وشك الانحلال عنه؟

  هناك بوادر لا يطمئن القلب لها؛ فلكي يكون لديك تليفزيون رسمي يجب أن يكون قبل أي شيء رسمياً. هذه الصفة التي يصعب اعتبارها لازالت تمثل الواقع.

  قبل سنوات عندما كانت ظروف عملنا تجعلنا موجودين داخل وكالات أو مكاتب أخبار تابعة لقنوات أجنبية، كان معنى أن يكون ماسبيرو التليفزيون المصري الرسمي حاضراً تماماً، فحتى و المراسلون الأجانب تصلهم أخبار حصرية عن مصادر موثوقة كانوا يرفضون بحسمٍ إذاعة هذه الأخبار، و يتوجهون مباشرة إلى شاشات التليفزيون المفتوحة دائما أمامهم على القنوات الرئيسية لماسبيرو الأولى و الفضائية المصرية و النايل تي في، و مؤخرا النيل للأخبار أيضاً. كانوا يتساءلون باستمرار:" التليفزيون المصري قال أيه؟".

  حينها كانت تغطية قناة إقليمية لمشكلة في حي من الأحياء كفيلة بحلها من جذورها، و كان تقرير على القناة الثالثة كفيل بتغيير وزير أو وزارة لمصلحة الدولة و الجماهير معاً.

   قوة التليفزيون الرسمي هي مؤشر مباشر لقوة الدولة، و عدالة توجهاتها الإصلاحية، و صلاح نواياها فيما تقوم به من إجراءات.

   أيضاً، قوة التليفزيون الرسمي لا تأتي إلا باعتماد مؤسسات الدولة عليه، و جعله النافذة الوحيدة و الذراع الإعلامي المعتمد للأجهزة التنفيذية و التشريعية، ففي نهاية الأمر لا بد من التعامل مع أجهزة الدولة كجسد واحد، و إذا كان كل وزير يخرج على الناس من قناة مختلفة كل مرة بتصريحات مصيرية تمس حياتهم بشكل مباشر، فذلك معناه أن مؤسسات الدولة مفككة، و "كل واحد ماشي على هواه".

   إذا كانت الدولة تريد حقاً إصلاح ماسبيرو؛ و إذا كانت لديها نية، لمنع انتشار الشائعات أو تحجيم آثارها، عليها قبل أي شيء أن تعيد ماسبيرو تليفزيوناً رسمياً.

الأحد، مايو 14، 2017

عن مواهب ماسبيرو التي يحتاجها السيد مكرم

 هناك معزوفة عالمية اشتهرت في التسعينيات في فيلم يحمل نفس اسمها، يطلق عليها بالعربية "الدخول إلى الجنة"، نفس الاسم يمكن ترجمته أيضاً (احتلال الجنة) أو غزو الجنة، بصراحة عندما قدم الأستاذ مكرم محمد أحمد إلى ماسبيرو؛ بدا و كأنه قادم فقط لغزوه واحتلال مكتب صفوت الشريف تحديداً.
  لا نعرف ما السر وراء الرغبة العارمة لديه لتحقيق نصر ما على ذكرى الوزير الأسبق، ضابط المخابرات الأسبق، رئيس مجلس الشورى الأسبق صفوت الشريف الذي يستمتع حالياً بحياة الظل بعيداً عن ضجيج المناصب الرسمية.
  فوجئنا جميعاً بتواتر الأخبار عن وقوف الأستاذ الفاضل إزاء مكتب الوزير، يصيح و كأنه (دون كيخوت) يواجه طواحين الهواء أو هذا ما صوره الشاهدون، و أخذ يصيح، و العهدة على مواقع الأخبار:" افتحوا لي مكتب صفوت الشريف".
البعض أضاف أيضاً عبارات ربما تكون من قبيل التشويق و الإثارة مثل:" أريد أن أجلس على مقعده".

  هل قال ذلك أم لا؟
   لا يهم، المهم أنه بالتأكيد بعدما استقر خلف مكتب الوزير لم يجد نفسه في الجنة، و راح يصرِّح على شاشاتٍ -غير رسمية- أن ماسبيرو ينقصه المواهب.

كلمة بصراحة كفيلة بإثارة سكان المبنى والمباني المجاورة.
كيف يتهمهم بذلك رجلٌ قادمٌ من حقل بعيد كل البعد عن المبنى، و معرفته بالمبنى لم تتخط إعجابه بمكتب الوزير، الذي طالما دخله كزائرٍ في مهماتٍ رسمية (صحفية أو ربما غير صحفية) و انتهت دائماً مهامه عند بوابة كبار الزوار.

 رغم أني مثل العديدين سخطت عندما قرأت عن التصريح المشين، لكن دائما تذهب السكرة و تأتي الفكرة، و إذا تريثنا قليلاً ربما وجدنا بعض الصحة فيما قاله.
  كلنا نعرف أن أداءنا كجهاز إعلام فيه قصور، و بما أن الأستاذ مكرم قادم من عالم الورق، الصحافة المكتوبة الكلاسيكية؛ فلابد من أن يجد من يعينه ليعرف أكثر عن التحديات التي يواجهها، و أعتقد أن ذلك ليس صعباً.

 السؤال الذي يجب أن نجيب لسيادته عنه، هو: ما نوعية المواهب التي يحتاجها المبنى؟ و هل الصورة الساذجة التي تقول إن المواهب الحقيقية هجرت المبنى، و أن الباقين إما عديمو الموهبة، تنابلة، أو حواة عملاء يعملون داخل المبنى لصالح نجاح قنوات أخرى يعملون فيها سراً أو علناً، و يهملون عملهم في ماسبيرو؟

  الاعتراض كليا على مثل هذه الأفكار أو إنكارها نوع من التدليس. هذه الصورة موجودة فعلياً عندنا كما في المصالح الحكومية الأخرى، لكن التعميم، أو تعليق الفشل عليها خطأ كلياً؛ فرغم كل شيء يستطيع من يتابع التليفزيون المصري أن يجد كماً لا يستهان به من البرامج والمواد التليفزيونية عالية الجودة. ربما لا يشاهدها سيادته لانشغاله بمتابعة القنوات الخاصة، لكنها موجودة. و لو كلف نفسه بمتابعة البرامج لأدرك ذلك.

   إذا، التليفزيون لا ينقصه المواهب التليفزيونية، لكنه يحتاج مواهب من نوع آخر هي السبب في تراجع نسبة مشاهدته و تراجع معرفة الجمهور ببرامجه، أولها غياب وجود تسويق جيد للبرامج.

 إن أبسط استطلاع رأي للجمهور سيكشف أن معظم الناس يعرفون العديد من برامج القنوات الخاصة، و إذا سألت أياً منهم كم مرة شاهدت هذه البرنامج على التليفزيون سيفاجئك أن الغالبية لا يشاهدون أي برامج على الشاشة الصغيرة، و إنما معرفتهم عن طرقٍ، أولها إعلانات البرامج على الطرق و الكباري، و ثانيها عرض مقتطفات منها على شبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة طبعاً إلى التكرار الكثيف على تردد القناة نفسه أو على ترددات إضافية تختلف عن الأولى في زمن العرض.
لا يوجد أي برنامج ينتج على قناة خاصة إلا و يذاع - في أقل تقدير - مرتين بخلاف تكرار كثيف لمقتطفات من البرنامج قبل و بعد العرض الرئيسي.
كل هذه السبل مفتقدة تماماً بالنسبة لبرامج التليفزيون الرسمي، لعدة أسباب أولها غياب التمويل، و ثانيها غياب الإدارة الرشيدة التي تستطيع توظيف الإمكانات البشرية و المادية للوصول إلى نجاح حقيقي. و طبعاً ثالثاً هذه الإدارة الرشيدة لابد لها من حرية في اتخاذ القرارات و محاسبة بعد ذلك، أما أن تكلف أياً من يكون بإدارة جهاز مثل هذا و تكبله بقرارات عليا، و ضغوط من خارج الجهاز و داخله، و ديون لا فكاك منها ثم نتحدث عن المواهب. ذلك لا يحتاج أصحاب مواهب بل معجزاتٍ إلهية.

أحمد صلاح الدين طه