آخر الأخبار

السبت، أبريل 14، 2018

صوت الديكور.. قصة حقيقية لم تحدث أبداً

حمل صوت الديكور مجاناً PDF

"أن تُصدقَ أن هذه القصة حدثت فعلاً، أو أن الأسماء الواردة بها صحيحة؛ ليست قضيتي"
ليس غريباً أن يذهب أحدهم – داخل الاستوديو - في نوم عميق. حتى و نحن على الهواء يحدث ذلك، و أصبحنا متصالحين مع الأمر؛ فالكل يعرف و يراعي أن الآخرين مثله يعملون لساعات طويلة في أكثر من قناة، يسعون بينها كالنمل. في أيديهم أكواب القهوة و الشاي، و السجائر المصرية العتيقة، و أحياناً بعض الممنوعات. كل ذلك ليستمروا في العمل. لكن.. بما أن النوم سلطان؛ يسقط معظمنا فيه بين وقت وآخر.. نوبة تغفيل يختلس فيها و بها بعض السلطنة خلف الكاميرا.
في السابق لم يكن ذلك متفشياً كما هو الآن؛ بعد انتشار برامج الهواء التي يظل المذيع يرغي فيها طول الليل أو طوال النهار، ساعات طويلة يتداولونها أمام الكاميرات، و نحن خلفها لا فينا حيل نسمع أو نطيق.
في الماضي، ما كان أحدٌ يتخيل برنامج هواء أطول من ساعة واحدة. كانت كلمة (لايف) نادرة الاستخدام، و تستدعي إلى الذهن إجراءات و إعدادات، و تجهيزات كثيرة، و طويلة، و مرهقة. كان الكل يستقبلها بحرص و حذر و حيطة لا يستحضرها أي شكل آخر من أشكال العمل التليفزيوني؛ فالخطأ – هنا – كطلوع الروح.. لا توبة بعده.
*****
الليلة، كان هواء ككل هواء غيره، كل شيء برتابة و روتينية يتم بانتظام غير مقصود، فقط تفرضه العادة حتى جاءنا صوت غطيطٍ ..عميق، و منتظم.. في اللحظات الحاسمة قبل انطلاق البث.
كان الصوت قوياً حتى أننا نزعنا سماعات الرأس و رحنا نحملق في بعضنا، ثم اندفعت عيوننا تتفقد كل شيء و تتفحص كل من في الاستوديو، و للغرابة لم يكن ثمَّ غريب.. الجميع متأهب، المذيعة في مكانها تراجع الاسكريبت و فني الصوت يضبط سماعة أذنها التي كالعادة لا تريد أن تستقر داخل أذنها الصغيرة بسهولة. جميع المصورين الأربعة منتبهين، و الحاج لطفي كبير المصورين الذي جاء للعمل معنا بعد تقاعده من عمله في التليفزيون الرسمي، كان كعادته متحفزاً بحبات السوداني في يده، كصيادٍ ماهر يستعد ليصوبها نحو من يتمادى في رحلته إلى عالم الأحلام. خلفنا، كان ضيف الفقرة الأولى يجلس على كرسي نصف مريح. يتظاهر بأنه شخص مهم، و يقلب أوراقاً كثيرة.. كأنه سيقول شيئاً ذا قيمة.
بما أن كل شيء على ما يرام – داخل الاستوديو – عدنا لاطمئناننا..
دون شك، شخص ما داخل غرفة التحكم راح في النوم. لا بأس، فلطالما عجت هذه الغرفة بكل أنواع الأصوات كأنها محطة مصر قبل العيد الكبير.. طبعاً أصوات الغرفة الزجاجية لا يسمعها داخل البلاتوة إلا المصورون. أي أنها لن تصل إلى المشاهدين حتى لو أصمت آذاننا.
الغريب أننا فوجئنا بصوت المخرج عبر سماعات الرأس يقول بعد تثاؤب عميق:
  • السادة المصورين.. صحوا هذا النائم داخل البلاتوة.
نظرنا إلى بعضنا و لم يجبه أحد، لكنه كرر كلامه فتبرع أحدنا بالقول:
  • الصوت من عندك.
رد بصوت حاسم:
  • لا الصوت من الداخل.
و استشهد مهندسَ الصوت الذي أكد كلامه.
نظرنا حولنا.. بالتأكيد هناك من انتحى جانباً انعزل فيه عن الدنيا و داهمنا الوقت بينما هو غارق في الأحلام. لكن.. أين؟
ليس من السهل تفحص البلاتوة جميعه بنظرة عين؛ فهو مليء بقطع ديكور و اكسسوار، و حوائط خشبية متحركة، و أركان و زوايا، و بعض المعدات غير المستخدمة، و الكثير من الأخشاب التي كانت يوماً جزءاً من ديكور ما. كل ذلك، و نحن لا نرى مصدر الغطيط، لكن أحد الميكروفونات يلتقطه بوضوحٍ مزعج.
أخذ المخرج يكرر نداءه.. يصيح، مرة عبر سماعات الرأس نسمعه، و مرة عبر مكبر الصوت في الاستوديو، و في كل مرة يزداد صوته توتراً. هو دون شكٍ يظن أن أحدنا نائمٌ خلف الكاميرا، و معه حق، لو كان أي منا مكانه، ما كان ليتصور غير ذلك، لكن ليس مَن داخلَ البلاتوة كمن يسمع.
جميعنا توترنا..
حتى المذيعة، بدت عيناها تائهتين تحاولان اكتشاف المنطقة المظلمة خلف الكاميرات، لكنها طبعاً لن ترى شيئاً؛ فالضوء المسلط عليها يحدد رؤيتها، و يجعلها لا ترى أبعد من حافة الطاولة التي أمامها.
تبرع الحاج لطفي ليحسم الأمر و يخرجنا من دائرة الاشتباه. ذهب يلقي نظرة خلف الديكور، لكنه لم يجد في مرمى بصره أحداً، فتحمس أكثر و قرر أن يستكشف ما خلف الديكور. كان يسير بين حوائط الديكور نصف الشفافة و مصادر الإضاءة الضخمة، فيلقي جسده ظلاً ضخماً مضحكاً على خلفية المشهد جعلنا جميعاً ننخرط في موجة ضحك بصوتٍ عالٍ انكتمت دون مقدمات عندما فاجأنا صوت مساعد المخرج بالعد التنازلي.. انطلقت شارة البرنامج على الهواء.
هرول الحاج لطفي محاولاً الخروج من خلف الديكور، لكن صوت المذيعة داهمه؛ فتسمر مكانه.
سيضطر الحاج للبقاء في مكانه كما هو، واقفاً على مشطي قدميه، كاتماً نفسه حتى نهاية تقديمة البرنامج.
لا بأس، بضع دقائق لتحية الجمهور، و تلاوة ملخص لأهم الأخبار، و لموضوع الحلقة.. لو تحرك أقل حركة لاهتز الديكور خاصة و الحاج لطفي ليس خفيف الوزن على الإطلاق.
الأستاذ جرجس كان أقرب المصورين إليه، حاول مساعدته للخروج، لكن الحاج-كعادته– حريص أكثر من اللازم، فضل البقاء حتى النهاية عالقاً هكذا كراقص باليه انتقل حديثاً لممارسة البانتومايم، مع التجاوز عن الحجم طبعاً .
انتهت التقديمة الثقيلة؛ فتنفسنا جميعاً الصعداء.
تحرك الحاج الذي أراد أن يبدو كمن أنهى مهمة قومية؛ فقال:
  • لا أحد خلف الديكور.
لكن المخرج اندفع من باب البلاتوة لاهثاً، و قال و هو يلاحق أنفاسه بصعوبة:
  • يا جماعة صوت الغطيط هذا عالٍ جداً.. هتودونا في داهية.
تسمر فجأة عندما وجدَنا جميعاً نحملق فيه.. تساءل:
  • مَن النائم إذاً؟!
لم نجبه، لكننا جميعاً بذلنا وسعنا، و انضم لنا فنيو الديكور، و الإضاءة، و الصوت.. انتشروا انتشاراً سريعاً و مكثفاً حتى أن بعضهم صعد فوق ممرات شبكة الإضاءة و فتشها رغم ضعف احتمال أن يفكر شخص ما في النوم بالأعلى.
" لا يوجد احتمال أن يكون أيُّ شخص نائماً داخل البلاتوة"
الأستاذ جرجس قال ذلك ثم عقب:
"إلا لو كان عفريتاً"
قال ذلك فابتسمنا جميعاً إلا هو. كان يبدو جاداً أكثر من اللازم.
غادر المخرج البلاتوة و هو يضرب كفاً بكف، و يحاول أن يقنع نفسه أن الصوت اختفى.
بالفعل، أصبح الصوت خافتاً جداً.. بعضنا لم يعد يستطيع تمييزه نهائياً.
و انطلق الهواء
كالعادة، راحت المذيعة تمتدح ضيفها الذي لو صحت فيه مدائح الاسكريبت، لكان ولياً أو ملَكاً أعلى، هو أيضاً.. من يرى احمرار وجهه و تصنعه الخجل لا يراه قبل الهواء و هو يملي و يؤكد على المعد أن يذكر جميع ألقابه و مناصبه التي أشك أن يجد شخص-غير سوبرمان- وقتاً ليشغلها جميعاً في نفس الوقت.
المهم، مر وقتٌ بسلام، و سارت الأمور على ما يرام.
اندمج الضيف في تهويماته و تحليلاته و قصصه حول موضوع ما، لم أركز كثيراً في محتواه، ربما كان يتكلم في السياسة، أو الفن أو الدين أو كرة القدم، و ربما عن الحب أو الحرب، يحتمل أيضاً أنه تحدث عن الأبراج و السحر و بعض الشعوذة.. كلهم يتحدثون في أحد تلك الأمور، و أحياناً فيها جميعاً. بعضهم يبدأ بالسياسة و ينتهي إلى الشعوذة. لا يهم، كله في النهاية " مَلوْ هوا".
على أي حال، صاحب الغطيط استراح قليلاً و أصبح الصوت خافتاً للغاية، بل ربما اختفى تماماً لبرهة ثم فجأة هجم متوحشاً بعد أن تحول إلى شخير قوي للغاية، صدمنا جميعاً. حتى الضيف و المذيعة انتفضا في مكانيهما، و كوبا الماء أمامهما اهتزا. بدا الضيف متوتراً للغاية، و بدأ يتلجلج في حديثه. حاولت المذيعة تدارك الموقف، استمرت في الحديث. لكن صوت الشخير كان يلاحقها، مع نهاية كل جملة تقولها يهدر كأن شخصاً غير مهذب يبدي اعتراضه على كلامها. يبدو أنها لم تكن تسمع صوت المخرج الذي راح يصيح من داخل حجرة التحكم طالباً منها ختم الفقرة و التنويه عن فاصل، لكنها بعد فترة وجيزة أدركت أن عليها فعل ذلك، و فعلته.
خرجنا إلى الفاصل و الذهول يعلونا جميعاً. الضيف يلملم أوراقه، و المذيعة تتساءل بقلق:
  • هو فيه أيه؟!
لم تكن عند أي منا إجابةٌ لسؤالها. اكتفينا بالصمت. فقط الضيف و هو يغادر الاستوديو وجه كلامه إلينا وقال:"تلك أجهزة تصنت".
انتبهنا لكلماته؛ فأردف دون أن يطلب منه أحد:"أحدهم ركَّب في الاستوديو بتاعكم جهاز تصنت دون شك، و ما تسمعونه هو صوت تداخل الموجات".
قال كلماته و انصرف مهرولاً، بدا كلامه لي نوعاً من المبالغة، لكن الحاج مصطفى رجح نظرية المؤامرة هذه، و قال بإيمان عميق:"لم لا، طول عمرنا في العمل الإعلامي نعرف أن الحيطان لها ودان".
نظرت إليه مستغرباً فقال لي مؤكداً:"نعم، ربما أنت لم تدرك هذه الأيام لكن جيلنا أدرك ذلك.. هناك من كان يستخدم أجهزة التسجيل أكثر منا.. لن أخدعك فأقول لك أنني أعرف من يفعل ذلك، ربما جهات محلية أو أجنبية، أو حتى أناس من الفضاء".
قال مسألة الفضاء هذه و غمز بعينه غمزة تقليدية لا معنى لها، لكني ضحكت و قلت له:"يا حاج إذا كنت أنت لا تعرف، فمن يعرف إذاً؟!".
اقترب مني و همس في أذني:"من عرفوا اختفوا من بيننا.. بعضهم لم يظهر مرة أخرى، و بعضهم ظهر في مناصب مرموقة".
  • "أراهنكم أنه هو من ركبها".
جاء ذلك الصوت من خلفنا، كان ذلك الشيخ مصطفى، المصور الرابع في الاستوديو، و هو "شيخ تليفزيوني" لا يمكن اعتباره ملتزماً دينياً بما تعني الكلمة، لكنه يربي لحية طويلة، و يؤمنا في الصلاة، و للصراحة صوته جميل في التلاوة.
  • من تقصد يا شيخ؟
  • ذلك الضيف. بالتأكيد هو مدسوس علينا، ركب أجهزة التصنت في غفلة منا، و لكن لأنه خائب، لم يتم عمله على أكمل وجه، و لما خاف أن ينكشف أمره قال أعملها بجميلة.
همممم، هذه نظرية المؤامرة مرة أخرى تطاردنا، و تبدو مقبولة إلى حد بعيد، و إلا فما تفسير ذلك الصوت. من رابع المستحيلات أن يكون شخص طبيعي نائماً بيننا دون أن نصل إليه بعد كل هذا البحث.
الأستاذ جرجس كان له رأي آخر.
"ذلك عفريت.. جني.. شيطان خبيث".
"لكن ما الذي يدفع شيطاناً خبيثاً للعب هذه اللعبة معنا، هل الشياطين فاضين لنا؟!"
ضحك الحاج لطفي و قال:"خلاص الشيخ مصطفى يعمل لنا حجاب.. ههههه".
كلاهما الأستاذ جرجس و الشيخ مصطفى أظهرا امتعاضهما، الشيخ مصطفى قال:"لِمَ؟ تراني دجالاً يا حاج!"، أما الأستاذ جرجس فقال:"أنتم لا تعرفون شيئاً.. لقد رأيت ذلك بنفسي.. رأيت القس يخرج الشيطان من جسد ملبوس".
  • و خرج الشيطان أمامك.. و رأيته.
  • نعم.
كلنا نعرف أن الأستاذ جرجس لا يذهب إلى الكنيسة كثيراً، و هذا سر خلافاته الدائمة مع زوجته التي تعمل معنا بنفس القناة، لكنه لا يريد أن يجهر بأن القس الذي رآه و الشيطان الذي خرج كان على يوتيوب، و ما رآه ليس إلا الفيديوهات المنتشرة التي رأيناها جميعاً، و تصديقها متروك لإيمان كل فرد بمدى تفانيها أو إتقانها.
"المية تكدب الغطاس".
يبدو أن الأستاذ جرجس قرر الدخول إلى التحدي، قال: سأدعو القس إلى الاستوديو و نرى.
هنا تدخل الشيخ مصطفى و قال بحدة: نعم نعم!! و بعد ذلك تضعون يدكم على الاستوديو و تفتحوه على أقرب دير!!
ظهر الغضب على الأستاذ جرجس، و استأنا جميعاً لأننا أدركنا أنهما سيدخلان في جولة مشادات جديدة.. طالما فعلا ذلك رغم أنهما أقرب صديقين إلى بعضهما بيننا، إلا أنهما دأبا على التناوش كذلك.. يظلان ساعات يتصارعان كلامياً، و بعد أن يقتلاننا إجهاداً في محاولة الفصل بينهما نجدهما "زي السمن على العسل" و طبعاً "ما ينوب المخلص إلا تقطيع هدومه".
أنقذنا دخول المخرج مهرولاً.. يبدو أننا لم ننتبه لنداءاته. كان يبدو مجهداً. قال بأنفاس متقطعة:"مفيش فايدة، سنعود من الفاصل ثم ننهي البرنامج مباشرة، و غداً إن شاء الله تكون المشكلة حُلت".
في لحظات كان كل شيء انتهى، أطفئت الإضاءة و الكاميرات. غادرنا الاستوديو، و في طريقنا للخارج صاح الحاج لطفي:"لكن هكذا لم نذع أي إعلانات اليوم".
قال المخرج غير مبالٍ: إعلانات أيه يا حاج، و هل عادت ثمَّ إعلانات. دي ماشية بالبركة.. خليها ماشية.
و انصرفنا.
أحمد صلاح الدين طه





الأحد، مارس 04، 2018

تفهنا الأشراف See How is it going in Egyptian village

قرية تفهنا الأشراف، قرية مصرية أثبتت أن المواطن البسيط قادر بعون الله أن يحيي بلدة و يديرها و يحولها إلى جمهورية مكتفية ذاتيا، تجربة لا بد أن تشاهدها و تزورها و تتأملها.

 https://youtu.be/wDZFWXHVhMA عبر @YouTube #تفهنا_الأشراف #ديدالوم



الخميس، مارس 01، 2018


بحثاً عن نبي خرجنا؛ فوجدنا شيخاً، ثم اكتشفنا أنه.. إله قديم





  هذا تماما ما حدث، خرجنا بكامل عتادنا و معداتنا التليفزيونية، لعمل تقرير عن ما قيل إنه قبر النبي إدريس ( رغم أن المعروف أن النبي إدريس ليس له قبر معروف على الأرض و تذكر الكتب أنه قبض في السماء الرابعة، و هو ما يشار إليه بكونه رفع إلى السماء و لم يمت بشكل طبيعي ) حتى المقام الموجود بلبنان يعرف الجميع أنه مقام رمزي و ليس قبراً. لكننا سرنا نحو قرية يقال إن بها ضريح أو مقام النبي هرمس، و للعلم فالمأثور عن الأقدمين هو أن هرمس هو النبي إدريس، كما أنه يشار إليه على أنه أحد الهرامسة، ذلك أن هذا الاسم منسوب لأشخاص مؤثرين، و البحث عن أصله يزيد الالتباس، فلن يستطيع أحد القطع بأن هرمس الهرامسة هو شخص واحد جمع بين النبوة و الحكم، و الحكمة. أم أنه ثلاثة أشخاص، و ربما أكثر، خاصة و هناك أمم عديدة ينسب لهم هذا الشخص العظيم منهم الإغريق و قدماء المصريين، و العرب. الأدهى من ذلك أنك تستطيع إرجاعه لأصل وثني إغريقي قديم، و هو الإله هرمس الملقب في الأساطير الإغريقية برسول الآلهة. و بصراحة أكاد أثق بعد زيارة هذا المقام أنه مقام تبجيل لهذا الإله، و ليس له اتصال بأي دين آخر، لا الإسلام و لا غيره.

  في البداية، صحح الناس لنا معلوماتنا بأنه مقام سيدي هرمس، و قال البعض إنه مقام الشيخ بهرمس، و في تنويع طفيف أكد بعض المسنين أن اسمه الحقيقي سيدي طهرمس، على أي حال هو شيخ، و ليس نبياً. هذا ما أجمع عليه معظم الناس. و هم أيضاً من أجمعوا أنه (حد كويس) هذا بالضبط ما وصفوه به؛ فهم يتحدثون عنه كأنه شخص حقيقي يعيش وسطهم و يعالج أمراضهم، و يشفي علاتهم، و يرزق العقيم، و يزوج البنات، و يفعل الأعاجيب التي يؤمن كل من لديهم (إله محلي) أن إلههم قادر على فعلها.

  رجلٌ ثمانيني قال لنا بإيمان عميق: " يكفي أنه دليل الحج"


  نعم، يؤمن الناس كما أخبرنا الرجل أن شيخهم، أو سيدهم، يدل من يخرج إلى الحج، و أن أي شخص من هذه البلدة، إذا تاه في الأراضي المقدسة، ينادي باسم الشيخ بهرمس و يطلب منه أن يرشده؛ فلا يلبث الشيخ إلا أن يظهر له و يدله إلى مقصده. يعني يذهب الناس إلى بيت الله الحرام، و هم في حضرة موسم تلبية دعوة الخليل إبراهيم لعبادة الله الواحد الأحد الذي ليس له شريك و لا ولد، ثم لا يتورعون عن طلب العون من غير الحق سبحانه و تعالى. ليس ذلك فقط، فهذا الوصف يأخذنا لتفاصيل مهمة تؤكد أن من يعبد في هذه البلدة هو نفسه هرمس الإله الإغريقي.

  هرمس أيضاً، الذي وصف برسول الآلهة يتولى مهمة الريادة، فيتقدم الآلهة و يسبقهم، و كذلك يوصف سيد هذه البلدة بأنه دليل الحج أي انه يقوم بنفس الوظيفة، مع الأخذ في الاعتبار أن هرمس (المعبود القديم) كان يقدم خدمات يمكن اعتبارها -أحياناً- غير أخلاقية، بل يمكن وصفها بالقوادة بدلاً عن القيادة بالإضافة طبعاً إلى أنه يعد رب اللصوص، و يشار إلى أنه عند مولده استغل قدرته على التأثير على المخلوقات ليستخدم موسيقى نايه في تغيير وجهة قطيع خراف، أي أنه سرقه، و ليستميل الآلهة الآخرين ضحى بخروفين و قدمهما رشوة للآلهة.

  يجمع أهل البلدة أن تحت بلدتهم بلدةٌ أخرى قديمة، فيها الشوارع و البيوت و الأسواق ربما أفضل مما يعيشون هم فيه.. يبدو من وصفهم أنهم يعرفون بشكل أو آخر أن الأرض التي يعيشون فوقها تكنز تراثاً غنياً بآثار مدينة قديمة.



  أحد سكان المنطقة، و الذي لا يمكن أن نثق إلى حد بعيد في حديثه خاصة بعد أن وصف أهل قريته بأنهم "كلهم كدابين"، لكنا نثبت أنه قال إن مكان المقام كان يوجد بئرٌ، و أن بهرمس أو هرمس الحقيقي موجود بالأسفل، على عمق ستين متراً، و أنه تسنى له و هو صغير أن ينزل البئر و يرى بهرمس جالساً على عرش، و على رأسه تاج كبير. بالمناسبة هذه هي إحدى الصور المعروفة للإله الإغريقي، و التي يصور فيها جالساً أحياناً و غالباً و اقفا يعتمر قبعة مجنحة و في قدميه حذاء مجنح دليلاً على مهمته.

  يبدو أن الأوثان لم تُيأس أن تعبد حتى اليوم، خاصة و هي تُلبس أردية يقبلها المتدينون فيلتبس عليهم أمرها و تقودهم بعيداً عن الحق.

أحمد صلاح الدين طه
















الأربعاء، نوفمبر 22، 2017

الحداد لا يكفي، و الفضائيات لا تشفي


الحداد لا يكفي، و الفضائيات لا تشفي

  نعم الفوضى الإعلامية لم يصنعها، و لا حتى يستطيع صنعها الفوضويون.. الفوضى صناعة مَن لم يضع نظاماً، و تصور أن كل شيء سيسير على ما يرام.

   ملاحظة بسيطة بعد ما حدث من تخبط معلوماتي أثار استياء الشارع المصري و قلقه الطبيعيان.. حتى من يعملون و يتعاملون مع ما يسمى بالمطبخ الإعلامي؛ ظهر جلياً من جهة تخبطهم و من جهة استياؤهم من الوضع الذي وجدوا أنفسهم فيه.. ربما لا ألوم الإعلام على ذلك، لكن علينا أن نعترف أن البيت بحاجة لترتيب.

  أولاً، لا أعتقد أن بيان الداخلية جاء متأخراً؛ فلا يُعقل أبداً أن تصدر الداخلية، أو الصحة أو رئاسة الحكومة بيانات أو تصريحات تتعلق بمهمة خطيرة و حساسة مثل ما وقع في الواحات بينما العملية في طور التنفيذ، لا يمكن أن يحدث ذلك في أي بلد، و لا يجب أن يحدث أبداً.

ما شكَّل أزمة حقيقية هو شغف الجمهور لمعرفة ما يحدث، ربما قلقاً على أبنائهم المشاركين في هذه العمليات الخطيرة، أو خوفاً على أولادهم المطمئنين في منازلهم غير بعيد عن الأحداث التي صارت قريبة للغاية، أو حتى انصياعاً لغريزة الخوف في أنفسهم. في المقابل الناس أصبحوا أكثر وعياً أن ما يعرض على وسائل التواصل لا يعدو كونه آراء و تجليات للبعض، و ما تذيعه القنوات الأجنبية غير منزه عن أغراض خفية مهما وصلت درجة مصداقية هذه القنوات علواً أو هبوطاً، لكن أخيراً: أن يذاع ما سمي بالتسريب، على قناة مصرية فضائية محلية خاصة، و من مذيع/صحفي لطالما تفاخر أنه(بتاع الداخلية)، و لم ينف ادعاءه أحدٌ  و أصبحنا كجمهور نسلم به، و يشاهده من لا يعتبرون أنفسهم من محبيه قبل محبيه؛ لأن كلامه دون شك - في اعتقادهم يمثل جهة رسمية رفيعة. كل ذلك صنع البلبلة.. هذه هي الفوضى التي صنعها غياب النظام، أو بلفظ أدق "سوء التنظيم".

  دون شك أصبحنا على وعي تام بأهمية ما يردده الخبراء، خبراء الإعلام، و خبراء التنظيم و الإدارة، و أساطين السياسة من أن أكبر خطأ تقع فيه الدولة هو محاولة إقصاء التليفزيون الرسمي، و نقل صلاحياته إلى قنواتٍ خاصة، أو لنقل شبه خاصة، قيل إنها تخضع لتوجهات الدولة و تدعمها، كل ذلك يمكن أن نعتبره فكراً جديداً، قابلاً للتجربة؛ لو كنا في ظروف أخرى.

  ما حدث من تخبط معلوماتي أخيراً يجب أن يلفت نظر رجال الدولة للسبب الرئيسي، و هو تعدد مصادر المعلومات، بينما المفترض في حادثة كهذه أن الدولة دون غيرها هي الجهة صاحبة الاختصاص، و من يذيع عن مصدر آخر فهو بالتأكيد يحصل على معلوماته من جهة مغرضة. التليفزيون الرسمي انتظر بياناً رسمياً و هو تصرف مهني يراعي الضمير و لا يمكن أن يلام عليه. القضية أن القنوات الخاصة التي تحاول الحفاظ على صورتها لدى المسؤولين في الدولة كمالكة لعقول المشاهدين، أرادت أن تسرق عيون المشاهدين و تقبض قلوبهم و لو بالتنازل عن المهنية التي لم تعد تساوي شيئاً في سوق الإعلام المصري.

  لابد للدولة من أن توحد الجهة التي يتلقى عنها الجمهورُ أنباء الدولة، طبعاً لا يعني ذلك غلق الفضائيات الخاصة؛ فقد تخطينا هذا الطور الذي تحتكر فيه الدولة وسائل الإعلام، لكن ببساطة على القنوات الخاصة أن تكون قنواتٍ خاصة، و على تليفزيون الدولة أن يكون تليفزيوناً رسمياً، كل البيانات و التصريحات و لقاءات الوزراء، و رئيس الوزراء و رئيس الجمهورية كل ذلك يجب أن يؤخذ عن محطة واحدة، و يمكن لجميع الجهات أن تأخذ عنه.. لو كان عامة المصريين يعرفون أن المصدر الأساسي للمعلومات هي تليفزيون الدولة لما تخبطوا بحثاً بين القنوات المختلفة، و لما لجأت هذه القنوات لإرضائهم بأي وسيلة و لو كانت مادة مفبركة أو حتى لا يجب إذاعتها في وقت معين.. أما إذا كان رجال الدولة يرون أن تليفزيونهم متعثر، فليس عليهم إلا أن يدعموه، بدلاً من التصفيق للحملات الموجهة ضده من جهاتٍ هي السبب لما نحن فيه الآن.

أحمد صلاح الدين طه

بعد دورة الملكية الفكرية.. يا عزيزي كلنا لصوص




نعم يا عزيزي.. كلنا لصوص، و لا نستثني أحداً.
  لصوص، لكن ظرفاء، لطفاء، طيبون، لا نقصد شراً ( حتى لو وقع بسببنا ) و لا نستهدف إيذاء أحدٍ ( حتى لو تسببنا في فقد المئات لوظائفهم، و إفلاس عشرات الشركات ).
  ذلك ما يجب أن أعترف به بعدما حضرت دورة تدريبة متخصصة تتناول موضوع الملكية الفكرية و حقوق المؤلف، و أشهد أن الوعي بهذه الحقوق ينقصنا كثيراً و هو ما يترتب عليه تجاوزات جمة منا حيناً، كما يتضمن اعتداء على حقوقنا كأفراد و مؤسسات - حقوقنا التي لا نعرفها – في أحايين أخرى.
  بالمناسبة كان أول اصطدام لي بفكرة حقوق الملكية الفكرية و ما يترتب عليها من واجبات و ممارسات في العمل قبل حوالي عشرة سنوات، كنت أصور بعض الأعمال لمنتجة أوروبية تعمل لصالح إحدى وكالات الإنتاج التليفزيوني الغربية، و فوجئت بتشددها في فكرة الحصول على موافقات مكتوبة على نماذج مطبوعة تتناول تفاصيل كل المادة التليفزيونية.
 في الحقيقة، وقعت بسهولة مطلقة على كل ما يخصني في هذا الأمر، و هو تفاصيل كل اللقطات التي صورتها بنفسي لتستخدمها في أعمالها، مع إقرار مني بأن كل المحتوى الذي قدمته لها في الشرائط من تصويري، و لا يدخل فيه أي حقوق لأية جهة أخرى، أيضاً تضمن الإقرار موافقة مني باستغلال الوكالة التليفزيونية لهذه المادة في العمل المزمع إنتاجه، و أي أعمال لاحقة تخص الوكالة فيما عدا لو تم بيع المواد الخام لطرف ثالث؛ في هذه الحالة يكون على الوكالة دفع نسبة من عائدات هذه المواد لي.
  لم يكن في هذا الجزء أي مشكلة، فأنا لا بد سأوقع حتى أتمكن من الحصول على أجري كمصور حر، كما أنني لن أتابع الوكالة الأجنبية لو باعت أو لم تبع هذه المواد، و هم يعرفون أنني لن ألاحقهم بأي مطالبات، طالما حصلت على أجري مقابل التصوير، و خاصة أنهم يدركون تماماً أن الوعي في هذا الجانب محدود جداً لدينا.. الأمر برمته لا يزيد عن كونه تستيف أوراق، و التجهز مسبقاً لما قد يطرأ، و يعرضهم للمساءلة، عندهم و ليس عندنا.
  المشكلة الحقيقية، و التي جعلتني أشعر بالاستياء حينها من فكرة قوانين الملكية الفكرية، هي إلزامنا بالحصول على إذن مكتوب من كل الضيوف الذين وافقوا على الظهور في العمل التليفوني، و بالمناسبة جميعهم لم يتقاضوا أجراً، و كان لزاما عليهم التوقيع على ما يشبه التعاقد، يقرون فيه بموافقتهم على الظهور في تسجيلٍ، موضوعه كذا، و يتم عرضه في عمل صفته كذا و كذا، و يمكن للوكالة استخدام هذه اللقاءات، و هم يوافقون على عدم الحصول على مقابل مالي حالاً أو مستقبلاً.. كل ذلك في بنود على عدة صفحاتٍ بالإنجليزية جعلت الضيوف يرفضون و يتراجعون عن موافقتهم السابقة لإجراء الحوار معهم، و يطلبون مهلة للتشاور مع من يفيدهم في هذا الشأن و للعلم كل الضيوف كانوا وزراء و رجال أعمال كبار، و أساتذة اقتصاد مشاهير، أي أنهم لا يشك في ثقافتهم و اطلاعهم.
  كاد الإنتاج برمته يتوقف خاصة مع تزمت المنتجة في الحصول على توقيعات الجميع و لو أدى ذلك لإلغاء كل شيء، و كانت تقول: " أنتم لا تعرفون، لو لم أحصل على التوقيعات لن توافق الوكالة التي أعمل لصالحها على استخدام لقطة واحدة، و لن يكون هناك فارق بين أن أعود بدون توقيعات و أن أعود بلا فيديوهات في المطلق".
  بعد جدال و فصال استطعنا أن نقنع الطرفين، المنتجة و الضيوف، بحل وسط و هو تسجيل موافقة الضيف بالفيديو قبل اللقاء مع توقيعه على ملخص مترجم للنص الإنجليزي لا يتعدى بضعة سطور.
  حقوق الملكية الفكرية و التزامات الاستغلال للمواد و اللقاءات المصورة كانت عقبة في سبيلنا و كنا نعتبرها معوقات لا طائل من ورائها. لكنها في الحقيقة قوة دافعة كبيرة في مجال الإبداع و الابتكار و التصميم. ببساطة مفهوم الأصالة الذي فقد لدينا معناه و محتواه لكثرة ما حولنا من تقليد و تزييف و سرقة، لن يعود لرصانته و قوته و تأثيره؛ إلا لو عدنا لاحترام حقوق المؤلف، ليس مؤلف العمل الأصيل هو وحده المستفيد من نشر الوعي بملكيته الفكرية و حقوقه المادية و الأدبية؛ أيضاً كل المبدعين و العاملين في مجالات تفترض الإبداع و الابتكار و الذين أصبحوا يلجأون إلى الأسهل، و هو الغش و التقليد و السرقة: لماذا  تبدع ما دمت تستطيع نسخ إنتاج غيرك و بيعه بملايين لن تحصلها لو أنتجت عملاً أصيلاً لأن غيرك سيسرقه و يتربح منه بدلاً منك؟!
  القضية مركَّبة، و الوعي أساس تخطينا للمرحلة التي نحن عالقون بها، و هو ما تحققه مثل هذه الدورات التي أجد لزاماً علي أن أشكر كل المحاضرين و جميع المسؤولين أفراداً و مؤسسات  الذين رتبوا لها و نفذوها بمثل هذه الجودة التي تليق بأهمية الموضوع.*
أحمد صلاح الدين طه
*
  حاضر في هذه الدورة بترتيب المحاضرات: دكتور خالد فتح الله رئيس معهد الإذاعة و التليفزيون، و دكتور محمد حجازي رئيس مكتب حماية حقوق الملكية الفكرية، دكتور إبراهيم مصطفي مسؤول سلطة التصديق الإلكتروني الحكومي، أ.د. رشا علي الدين أستاذ القانون الدولي الخاص وكيل كلية الحقوق جامعة المنصورة، اللواء الدكتور محمد عبدالواحد رئيس مباحث الإنترنت و جرائم الحاسب بوزارة الداخلية المصرية .



الاثنين، أكتوبر 23، 2017

اللواء طارق المهدي و أكذوبة ماسبيرو الذي لا يراه أو يسمعه أحد



طبعاً غنيٌ عن التعريف. و أيضاً طلته الكاريزمية و روحه الودودة و تواضعه الجمُّ الذي يتقدم ذكاءً و دقة و حسماً؛ كل ذلك غني عن التعريف، هذا ما سمعته كثيراً ممن تعاملوا معه بشكل مباشر، و لا أنكر أنني بطبعي لا أميل لتصديق ما يبلغني بالسمع، و لا حتى من خلال وسيط بصري . لكنني أجزم الآن أن ما قيل عنه صادق، و بعض الحقيقة ما يذكر في سيرته الطيبة ، التي تعطر دائماً أحاديث أبناء ماسبيرو، و دعونا نتذكر أن القليلين جداً هم من يذكرون بمحاسنهم في أروقة ماسبيرو. هذه حقيقة لا داعٍ لإنكارها، و هي توضح بجلاء ما للرجل من فضل و ما يُشهد عنه من إخلاص و تفانٍ و حسن قيادة ما أحوجنا إليها اليوم.
إنه اللواء طارق المهدي الذي تولى زمام ماسبيرو في وقت عصيب، لا في تاريخ ماسبيرو فقط بل في تاريخ الأمة كلها، و كان نعم القائد، لم يغادر ماسبيرو إلا بعدما ترك محبته في كل استوديو، و كل مركز بث، و في كل مكتب.
قادتنا الظروف الحسنة للقائه، حيث توجهنا كفريق برنامج أطيب قلب لتصوير لقاء معه، و ما أنسبه من بطل لإحدى حلقات هذا البرنامج. عرفنا في لقائه كم يحب المبنى و يفخر به، و هو الذي لم يترك موضعاً إلا و أعلن فيه أن "ماسبيرو أمن قومي" حتى بعد سنوات من مغادرته المبنى لتولي بعض المسؤوليات الأخرى التي كلفته بها الإدارة السياسية، لم يتخل عن المبنى، و لازال يعلنها صدقاً و يقيناً: إن ماسبيرو مؤسسة إعلامية (بكل ما تحمله كلمة مؤسسة من معانٍ) سنخسر كثيراً لو تخلينا عنه أو تجاهلنا دوره.
سألناه في الكواليس –من باب الفضول- عن سبب إيمانه هذا  الذي لا يتزعزع رغم ما يقال عن أن التليفزيون الرسمي لم يعد يشاهده أحد؛ فأجابنا ببساطة أنه رجل عملي، و هو لا يعرف إلا لغة "واحد زائد واحد يساوي اثنين"، لذلك عندما بدأت الحرب ضد المبنى، و قيل نفس هذا الكلام أثناء توليه المسؤولية؛ لجأ إلى تجربة بسيطة، أمر بإذاعة  أغنية لأم كلثوم بين الأخبار، و في "عز المعمعة" كما يقال؛ فانقلبت الدنيا، و جاءته ردود فعلٍ كثيرة فهم من خلالها  أن ما يقال ليس إلا حرباً موجهة هدفها النيل من عزيمة من داخل المبنى، و القضاء على الصلة بين جماهير الشعب و الحكومة التي كان يمثلها باقتدار ماسبيرو على مدى عقودٍ طويلة، و من هذه اللحظة قرر عدم الالتفات لكل ما يقال، فالسلاح الوحيد الذي يجب الاعتماد عليه في هذه الحرب هو الاستمرار بنفس القدر من الجدية و الالتزام و الإخلاص.
حديث سيادة اللواء طارق المهدي لفت نظرنا للحظات لم نكن ندرك أهميتها في حينها، عندما توقف إرسال إحدى قنوات التليفزيون المصري الرسمي (ماسبيرو)  للحظات أو دقائق معدودة فانقلبت الدنيا، ليس في مصر فقط، بل على مستوى جميع دول العالم المهتمة بالمنطقة. هذا بينما في نفس الفترة تعثرت بعض الفضائيات الخاصة الشهيرة، بل و اختفت  تماماً من المشهد دون أن يلاحظ ذلك أحد إلا بعدها بشهور، فلو صح ما كانوا يرسمونه لأنفسهم من أهمية مدعاة، لالتفت أحد لذلك.. الأمر الذي لم يحدث أبداً.
إذاً، أيها الزملاء، لا تسمحوا لادعاءات المبطلين أن تحول دونكم و دون استمرار المسيرة. هذا هو الدرس الذي تعلمته اليوم من سيادة اللواء الذي لن تغيب عني ابتسامته الودودة، قبل أن نغادر مكتبه و هو يسألني:"أخبار الناس في المبنى أيه".
أحمد صلاح الدين طه