تَفَرُّد.. مثل جميع الأحداث التي مرت بنا في تلك الأيام.
تَمَرُّد وتَجَرُّد، وصراع على الشارع الذي صار نافرًا من الجميع، ميالًا للبحث عن السكون وعودة الهدوء ولو بخسائرَ قد تكلفه الكثير في المستقبل.
صراع رغم الجميع، يستغل كل فرصة لتفجير الأوضاع: السياسة والدين والفوارق الاجتماعية، وكلَّ شيء.. صار كلُّ شيء مطروحًا.. ممكنًا.. طالما يؤدي الغرض.. غرضٌ في نفس أحدِهِم، لا يعرف أحدُنا من يكون، ولا ماذا يريد منَّا.
جاءنا الأوردر..
اذهبوا هناك.. في الساحة الواسعة، أمام الكنيسة العتيقة، حيث من المتوقع أن مسيرة ضخمة ستأتي من وسط البلد تعبيرًا عن التضامن مع الإخوة المسيحيين، ضد تهديد انتشر من جهة ما على الإنترنت بالتوجه للتظاهر في ذات الموضع، مما يوفر إمكانية -منطقيًا- لحدوث تصادم مؤكد.
وصلنا..
وجدنا كل شيءٍ هادئًا تمامًا، ربما أكثر هدوءًا من العادي.
ابتسمت وأنا أطبطب على الكاميرا لاهيًا، وقلت: لا شيء.. إخبارية كاذبة.. سنعود فيما يبدو دون تصوير شيء، ما ذنبنا.. نحن فقط ننقل الأحداث!
رَدَّت عليَّ بحماسٍ شديد:
لا، نحن نصنع الحدث.
هي مراسلة جديدة، جاءت للعمل معنا حديثًا، كانت تعمل قبل ذلك في وكالات وقنوات عديدة، تنقلت بينها رغم صغر سنها.
العبارة التي قالتها صرنا نسمعها كثيرًا، حتى إن بعض قنوات الأخبار وضعتها شعارًا لها، رغم أنها تعبيرٌ لو حسبناه بمنطق قِيَمِيّ؛ سنجده غيرَ أخلاقيٍّ على الإطلاق.
المفترض أنها غيرُ واقعيةٍ أيضًا؛ فكيف لجامعي الأخبارسواء المراسلين أو المصورين أن يتحولوا إلى صُنَّاعٍ للحدث، إلا إن كانوا مُزَيَّفين أو مُزَيِّفين.
لم أتصور أن ذلك ممكن، لكنها رفعت هاتفها، وتحدثت مع مدير الأخبار في القناة عن أن هناك مسيرة ضخمة، وأنها مستعدة لعمل مداخلة هاتفية في نشرة الأخبار، ريثما نعود إلى القناة بالمواد المصورة لعمل تقرير كامل.
تعجبتُ لثقتها الزائدة من جهة، وانتبهت للمَغْرَز الذي وضعتني فيه؛ فكيف سأعود بلقطات للمظاهرة التي أخبرَتْهم عنها، والتي لم تحدث أصلًا.
انتبَهَت لملامحي المتجهمة؛ فأبعدت الهاتف، وقالت لي بصوت هامس: لا تقلق.. سنتدبر الأمر.
عادت للهاتف تُجَوِّد أكذوبتها، وتدعي وجود شخصيات شهيرة -بعينها- على رأس المسيرة، تذكرهم اسمًا.. اسمًا.
فهمتُ من ردودها أن الطرفَ الآخر يخبرها استحالة وجود هؤلاء، فهذا مسافر وهذه في المستشفى، وآخر موجود معهم في القناة، على الهواء في أحد البرامج.
كانت تتلقى الكلمات دون أن تبدو مصدومة، هي فقط تبحث عن تبريرات لأكاذيبها المفتضحة.
كان الساوندمان الذي يساعدني يهمس في أذني أنه سبق وعمل معها في إحدى الوكالات الإخبارية الصغيرة، وبدأ يحكي حكايات عن أساليبها وألاعيبها.. حكاياته لا تبشر بخير.
بدا أن القناة أغلقت الخط دون أن تصل معهم لصفقة تتيح لها الظهور اليوم في النشرة لا صوتًا ولا صورة.
تحركنا مترجلين مسافة طويلة، فقد أنزلنا السائق بعيدًا تحسبًا لأي اشتباك محتمل، قد يعرض السيارة للتهشيم.
هممنا بالعودة، وبدأتُ أحاول الاتصال بالسائق ليقرِّب المسافة لنا، فالأجواء هادئة، وليست ثمة مخاطرة.
ما كدت أفعل، إلا وفوجئنا بمسيرة قادمة من بعد.. عدد كبير، لكنه ليس ضخمًا.. من هيئتهم نستطيع تمييز انتمائهم بلحاهم الطويلة، وسراويلهم المقصَّرَة عمدًا أو المشمرة بحيث لا تلمس الأرض، وقمصانهم مغلقة الأزرار حتى الزر الأخير الذي يخنق الرقبة. بعضهم، أيضًا، ارتدى زيًّا أكثر تحديدًا: جلابيب بيضاء قصيرة، وسراويل قصيرة، وعمامات بيضاء أيضًا متدلية عذباتها من الخلف بين الكتفين.. إنهم سلفيون.
مروا أمامنا..
اقتربت من أحدهم، وتبادلت معه حديثًا قصيرًا، ففهمت أنهم ذاهبين إلى الكنيسة لحمايتها بعد أن وصل إليهم عن طريق وسائل التواصل خبر التهديد.
عدت سريعًا إلى المراسلة التي كانت تقف مع مسجل الصوت على الرصيف المقابل، أردت أن أخبرها بالمعلومة المهمة التي عرفتها.. هذا موضوع مناسب لتقرير جيد. لكني وجدتها تخبر أحدهم عبر الهاتف أن السلفيين متوجهون إلى الكنيسة لمهاجمتها!
أنهت المكالمة، وبدت متحمسة للغاية وهي تهتف: هيا سنسبقهم إلى هناك.
بشكل آلي هرولنا من خلال الشوارع الجانبية التي يعرفها زميلنا مُسَجِّلُ الصوتِ جيدًا لأنه يسكن غير بعيد.
بدت الشوارع متربصة، لا أحد يمشي، المحلات التي تزخر بها المنطقة معظمها مغلق تمامًا، ويسرع أصحاب البعض الآخر بإغلاق بواباتها الحديدية المنسدلة، صوت الأقفال تغلَق والشبابيك توصَد يتناهي إلى آذاننا.. أصوات أقدام هادرة تتدفق عبر الشارع الرئيس وهتافات مكتومة بين فينة وأخرى.
كانت المسيرة تتقدم بسرعة، لكننا استطعنا تخطيها، ووصلنا قبلهم إلى الميدان.. وجدنا أنفسنا قبالتهم تمامًا.. تقدموا نحونا، وكان في الشارع مجموعة من الفتيان الذين جاءوا لحماية الكنيسة.. بعضهم تسلح بعصًا أو استعد لمعركة ما بخلع قميصه وربطه حول خصره أو كتفه (هكذا بدوا).. فوق الكنيسة وعلى بعض الأسطح المقابلة أيضًا كان ثَمَّ فتية آخرون يراقبون الموقف ويستعدون للتدخل.. لاحظنا في أيدي بعضهم أسلحة بدائية، فرد خرطوش أو سيف قصير (سنجة) والكثير من المطاوي تتلاعب بين الأصابع أو معلقة في الخصور.. يبدو أن دمًا يصرخ مكتومًا في انتظار أن يراق.
أوحى المشهد بعركة بدائية محمومة، لكن فجأة انقلب كل شيء تمامًا وفوجئنا بالقادمين يتبادلون التحايا والأحضان مع الشباب المدججين بالأسلحة والمودة أيضًا.. كدت أضحك من هول الصدمة، لولا أنني لم أستطع أن أتخطى توجسي وانتباهي السابق بسرعة.
تحول الميدان -أمام الكنيسة- من ساحة مرتقبة للقتال إلى مساحة رحبة للسمر، وفوجئنا بالشباب مجتمعين مسلمين ومسيحيين يصنعون حلقة واسعة ويبدأون في استعراض مهاراتهم الفنية، يغنون ويعزفون ويرقصون رقصات جماعية ويلعبون بعض الألعاب، من كرة القدم حتى ألعاب الأطفال القديمة، وسرعان ما فوجئنا ببائعي العصير والترمس والبطاطا والكشري المعلب ينتشرون بين الجماهير.. لم نعرف أبدًا كيف يأتي هؤلاء ولا كيف يعرفون أماكن المظاهرات والمسيرات وغيرها، تجد هؤلاء البائعين دائمًا سابقين للشباب، يعسكرون في أماكن الأحداث والحوادث.. هل المكاسب من البيع في أماكن التوتر تعوض المخاطرة الفادحة التي قد تودي بحيواتهم ومعظمهم أطفال ومراهقون في مقتبل العمر، أم أنهم مندسون يتلصصون لصالح جهة ما.. قد لا نعرف الحقيقة أبدًا.
نسينا أنفسنا وسط هذه الأجواء المبهجة، كأنه مولد شعبي كبير.. بدأتُ أصور سلسلة من اللقطات.. كنت أشعر براحة كبيرة في العمل، حتى إنني فكرت أنني أستطيع توظيف هذه المشاهد في فيلم تسجيلي لاحقًا وليس مجرد تقرير إخباري، وبينما نحن كذلك وجدت هاتفي يرن، محرر من القناة يطلب مني أن أوافيهم سريعًا بصور المعركة.. انصدم عندما أخبرته بعدم وجود أي عراك من الأساس.. قال إنهم أذاعوا الخبر فعلا ورددوا التحذيرات أكثر من مرة للمواطنين بتجنب الذهاب إلى مكان الصدام.. أخبرني أنه سيحادثني مرة أخرى.. أغلق الخط.
الخط يغلق، وأنا ما أزال أحمل الكاميرا بيدي الأخرى وألتفت إلى مساعدي (مسجل الصوت) لأجده مبتسمًا ابتسامة عريضة، تتضاءل ببطء في عيني.. كأنها لقطة بالتصوير البطيء.. تتحول الابتسامة إلى تقطيب، وألق العين إلى نظرة رعب وهو يدير رأسه وينظر خلفي.
كانت جماعات غفيرة مكفهرة الوجوه قادمة من عمق شارع عريض عمودي على الميدان.. من الواضح أن الخبر الذي يقول إن السلفيين يهاجمون الكنيسة وصل إليهم فجاءوا يدفعونهم ويدافعون عن عقيدتهم.
للحظة تمنيت أن ينقلب الحدث كما انقلب توقعنا مع المسيرة الأولى، لكن تقدمهم كان سريعًا للغاية، خطواتهم تثير تراب الشارع. بعضهم يشعل شماريخ ونارًا وينشر دخانًا جعل قدومهم أسطوريًا كأنه مشهد من فيلم هوليودي، أحدهم تسرع وأطلق طلقة أو أكثر من الخراطيش المعبأة بالبلي المعدني، وفي لحظة سقط أمام أعيننا مصابون من المحتفلين.
للحظة بدا الميدان متربصًا، ثم مرتبكًا وفجأة بدأ هؤلاء وأولئك في العراك.. الجميع يتضاربون ولا أحد يستطيع تمييز مَن يضرب مَن، ومَن في صف مَن..
الدخان أعمى الجميع، وبين فينة وأخرى ترى نصل سنجة يلمع في الهواء أو صرخة أحدهم مصابًا.. لا تراه، لكن ألمه يخرق سمعك.. ضوضاء تصم وأصوات سارينات إسعاف تعوي من بعيد.
اتخذت مكانًا جانبيًا آمنًا بعض الشيء، صورت الكثير من اللقطات.. لقطات مؤثرة جدًا.. وكافية للغاية.
لأننا تعلمنا من العمل في مجال الجمع الإخباري أن أهم شيء في تغطية الأحداث ليس كم اللقطات التي تصورها، بل أن تتمكن من العودة بها في الوقت المناسب، لذلك قررت أن أعود، نظرت خلفي فوجدت مسجل الصوت يحاول تأمين ظهري حتى لا يباغتنا أحدٌ على غفلة.. لكني لم أجد المراسلة.. أين ذهبت.. اختفت.
لم يكن بالإمكان العودة للبحث عنها أبدًا داخل المعركة خاصة أن الوطيس يزداد حدة، وفي نفس الوقت تمنعنا أخلاقنا من أن نتركها وحدها.. نحن هنا فريق واحد ولا أحد يعرف أحدنا إلا الآخرَين.
اتصلت بها، ولحسن الحظ أن شبكة الهاتف تعمل.. لم تجب، لكن الأمل جعلني أطلب مرة أخرى.. ظل الهاتف يرن حتى فصل، فطلبت الثالثة وكانت (التالتة تابتة).
وجدت صوتها يجيبني ببطء وعمق: "أين أنتم؟!"
خفت في البداية أن أحدد مكاننا.. الهدوء الذي أسمعه حول صوتها جعلني أستريب، لكنني ما لبثت أن طلبت منها أن تحدد مكانها فبدأت تصف لي كيف أتحرك وإلى أين.. لم تكن بعيدة جدًا.. سرنا خلف وصفها حتى وصلنا إلى مكان بدا آمنا، كنا نستطيع أن نرى العراك من بعيد، ونسمع أصوات الجلبة كأنها قادمة من مذياع في غرفة بواب عمارة نقف نحن في أعلاها.. لكن أين هي؟!
فجأة وخلف ظهورنا تمامًا وجدنا باب محل ينفتح من أسفل، ويطل رأس رجل من الفتحة الضيقة القريبة إلى الأرض.. يناديني باسمي.. هرولنا إليه فدعانا للدخول.. اضطررنا لطأطأة ظهورنا للغاية حتى نتمكن من عبور البوابة، وبالداخل كان الجو مظلمًا للغاية رغم أن ثَمَّ مصباحًا مضاء، لكنه ضعيف للغاية، خاصة مع قدومنا مباشرة من ضوء نهار ساطع.
رويدًا، بدأت أعيننا تمييز المكان.. تناهى إلى أسماعنا صوت الرجل بلكنة صعيدية واضحة يرحب بمكوثنا هنا.. في محله.. حتى تروق الأوضاع بالخارج، ويسألنا ماذا نريد أن نشرب!
عنده عصائر من كل نوع، فهذا محل عصير، وعنده أيضًا شاي وقهوة.. بدا الرجل ودودًا للغاية، وعلى كرسي في المحل وجدنا زميلتنا جالسة ممسكة بشوب عصير قصب ضخم ترتشف منه بهدوء وتبتسم لنا وتقول: "العصير ممتاز هنا.. أخبار الدنيا برة أيه؟".
أحمد صلاح الدين طه
9 يناير 2026















