مرحبًا بكم في ديدالوم مجمع الفنون

منصة الفن والأخبار الثقافية الرائدة

أحدث الأخبار والمقالات

بحث Search

‏إظهار الرسائل ذات التسميات فيلم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فيلم. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، يناير 28، 2026

بفيلم «سواق الأتوبيس».. صندوق التنمية الثقافية يطلق أولى فعاليات «نادي كنوز السينما المصرية» بسينما الهناجر

بفيلم «سواق الأتوبيس».. صندوق التنمية الثقافية يطلق أولى فعاليات «نادي كنوز السينما المصرية» بسينما الهناجر

القاهرة – ٢٨ يناير ٢٠٢٦

في إطار جهود وزارة الثقافة لإحياء التراث السينمائي وتعزيز الوعي الفني لدى الجمهور، يفتتح قطاع صندوق التنمية الثقافية، برئاسة مركز سينما الهناجر بساحة دار الأوبرا المصرية، أولى فعاليات المشروع الثقافي الجديد «نادي كنوز السينما المصرية»، وذلك في تمام الساعة السادسة مساء يوم غدٍ الخميس الموافق ٢٩ يناير.

منصة نقدية تفاعلية (LIVE)

يأتي مشروع «نادي كنوز السينما المصرية»، الذي يعده ويقدمه الباحث والناقد السينمائي محمد رمضان حسين، كمنصة ثقافية تفاعلية غير تقليدية. ويهدف المشروع إلى إعادة قراءة روائع السينما المصرية من خلال تجربة مشاهدة تحليلية مباشرة (LIVE)، تمزج بين العرض السينمائي والقراءة النقدية المبسطة المدعومة بمادة بحثية ومعلوماتية رصينة.

وتسعى هذه المبادرة إلى فتح قنوات حوار مباشر مع الجمهور، مما يساهم في إعادة اكتشاف الأعمال السينمائية الكبرى من زوايا فنية وفكرية جديدة، وتعميق فهم الأجيال الشابة لتاريخ السينما المصرية العريق.

«سواق الأتوبيس».. باكورة الفعاليات

اختار النادي لافتتاحه واحداً من أهم كلاسيكيات السينما الواقعية، وهو فيلم «سواق الأتوبيس» (١٩٨٢) للمخرج الراحل القدير عاطف الطيب. ويعد الفيلم وثيقة سينمائية ترصد بدقة التحولات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي طرأت على المجتمع المصري إبان فترة "الانفتاح الاقتصادي".

تتناول الجلسة التحليلية بالبحث شخصية "حسن" سائق الأتوبيس، الذي جسد معاناته النجم الراحل نور الشريف، وصراعه المرير ضد منظومة الفساد وتفكك الروابط الأسرية، في رحلة إنسانية تعكس انكسارات وانتصارات الروح المصرية أمام ضغوط المادة.

قيمة سينمائية وتاريخية

الجدير بالذكر أن فيلم «سواق الأتوبيس» يشغل مكانة مرموقة في وجدان السينما العربية، حيث:

  • احتفل بموقع متقدم ضمن قائمة أفضل ١٠٠ فيلم في تاريخ السينما المصرية.

  • حصد العديد من الجوائز الدولية والمحلية، أبرزها جائزة أفضل ممثل للفنان نور الشريف في مهرجان نيودلهي السينمائي.

  • يُعتبر حجر الزاوية في تيار "الواقعية الجديدة" الذي قاده المخرج عاطف الطيب مع كبار مخرجي الثمانينيات.

الخميس، أكتوبر 16، 2025

(حتى يفرق الموت بيننا) مأساة الحب الذي يحسن وأده

 

فيلم: TILL DEATH DO US PART  (حتى يفرق الموت بيننا) مأساة الحب الذي يحسن وأده

فيلم: TILL DEATH DO US PART

(حتى يفرق الموت بيننا) مأساة الحب الذي يحسن وأده


ليس فيلم رعب، بل فيلم عن عالم مخيف.. مخيف أكثر من أفلام الرعب، فأفلام الرعب تقع بين دفتي البداية والنهاية، كل ما فيها من قلق وخوف ومطاردات.. من أرواح شريرة وعوالم غامضة، كل ذلك ينتهي مع كلمة النهاية حتى لو استمر قلبك يخفق وأطرافك ترتجف بعد الخروج من قاعة العرض، آخر الأمر مع ساندويتش شاورمة وكوب عصير معتبر ستنسى كل الرعب، لكن هذا الفيلم سيظل يؤرقك لأنه عن الواقع، عن قصص الحب.. قصص الحب الواقعية التي تستحق أن تموت..أبدًا.

  يدور الفيلم حول شاب يقع في حب دافئ وعميق مع فتاة بريئة رقيقة من سكان قريته في منطقة ما من أوربا في عصر قديم، هذا الشاب على استعداد لفعل المستحيل من أجل فقط أن يستطيع شراء خاتم زواج باهظ الثمن ليتمكن من التقدم لمحبوبته، لكنه فقير يعمل كمساعد لأحد الحانوتية، الحانوتي رجل حكيم وأمين، منحته مهنته في دفن الموتى ثقلًا في الحكم ووزن الأمور بما تستحق، والأمور كلها لا تستحق لأن مآلها إلى زوال مثل أبدان البشر التي يتم تكليفه كل يوم بمواراتها التراب.

  الشاب المحب لم يكتسب وعي معلمه العجوز، إنه بنزق وثقة صغار السن يعترض على الحكمة في دفن متعلقات الموتى الثمينة معهم "إنه إهدار للموارد"، هذا ما يقوله الشاب، لكن معلمه يؤنبه بل يوبخه ويذكره: "نحن لا نستولي على متعلقات الموتى"، يقول الشاب: "لا أحد يرانا"، فيجيبه العجوز: "هناك الله يرانا من علٍ، وهنا هم أيضًا (يشير إلى تابوت أحد المتوفين حديثًا) وأنا أخاف منهم أكثر".

  تحول عميق في حياة الشاب، يحدث عندما يفكر في سلب فتاة مقتولة مقتنياتها، إنها فتاة عانت الحب أيضًا، الحب القاتل المميت، حب انتهى بها جثة منبوذة من الجميع وفي إصبعها خاتم ثمين رآه الجميع ملعونا واعتبره الشاب أداة لنجاة حبه الحي؛ تحول تراجيدي ومرعب وفنتازي، ينتهي إلى خاتمة تحمل الحزن والأسى بقدر ما يتأجج في نفس المشاهد من مشاعر التعاطف والرفض.

فيلم: TILL DEATH DO US PART  (حتى يفرق الموت بيننا) مأساة الحب الذي يحسن وأده


أدب سينمائي:

  عندما تشاهد الفيلم ستدرك معنى أن يكون هناك تضافر محكم بين فني السينما والأدب، هذا فيلم يأخذنا إلى سرد سينمائي تصبح فيه اللغة بمفهومها الأصلي، وهي هنا الإنجليزية، متمازجة مع تعبير بصري وصوتي أخاذ، كلاهما قوي، وكلاهما يدعمان بعضهما ويصنعان مع التعبيرات اللغوية (في تعليق السارد والحوار) عملًا أصيلًا يستحق المشاهدة والتأمل، ولذلك اعتبرت أنه من الملائم أن أطلق عليه تعبير (أدب سينمائي).

  تمدنا اللغة الإنجليزية (في الفيلم) بكم لا يستهان به من الإحالات اللغوية والحكم البليغة الموجزة التي قد تجعل من الفيلم لاحقًا ذخيرة لمن يحبون اقتباس المقاطع والأقوال التي يمكن أن تطابق أي زمان ومكان. بداية من العنوان: (حتى يفرقنا الموت) هذه العبارة الأيقونية التي تتردد بمختلف اللغات وفي مختلف الثقافات شاهدة بمعاني الإخلاص، عبارة أثيرة تردد مفاهيم إيجابية عن المحبة الأبدية، مما جعلها عنوانًا لكثير من الأفلام، وحتى يختارها المقبلون على الزواج عنوانًا لفيديوهات حفل زفافهم، والأمثلة على الإنترنت لا حصر لها، لكن نفس العبارة تكتسب هنا معاني مغايرة، بل مناقضة لما اعتدناها معبرة عنه (وتلك خاصية شعرية يطلق عليها بعض نقاد الأدب "كسر الاعتياد اللغوي") فبدلًا من أن تعبر عن الحب الأبدي، صارت عنوانًا لقصة حب كتب عليها الموت حتى قبل أن تبدأ.

  قس على ذلك الكثير من الجمل الحوارية التي نكتفي منها هنا بعبارة بليغة تقولها السيدة العجوز للشاب الذي يصف محبوبته بتعبير إنجليزي شائع يعبر به عن قيمة محبوبته الغالية في نفسه، فتجيبه المرأة بنظرة حزينة حكيمة: "الحب يكلف أكثر كثيرًا من المال، إنه يكلفك كل شيء أيها الشاب".


البنية السردية والانفتاح وفراغات السرد:

  على أساس الحبكة القصصية التقليدية تم بناء الفيلم، حبكة ثلاثية الفصول؛ الفصل الأول مقدمة تعرض الشخصيات والبيئة الزمانية والمكانية، والثاني يمثل المواجهة والثالث يمثل قمة الصراع، ثم الحل النهائي. بناء شبيه بأي فيلم طويل تقليدي، لكنه منضغط زمنيًا:

  • أولًا: بنية السيناريو منغلقة، ببداية القصة الواضحة ونهايتها الحاسمة التي تكشف عن الحكمة الأخلاقية من الفيلم: "هناك قصص حب بائسة، مدمرة؛ يجب أن تبقى ميتة".

  • ثانيًا: تتعدد المحاور السردية التي تمتد من نقطة البداية إلى النهاية؛ هناك محور سرد رئيس يمثل صراع الشاب من أجل الحصول على خاتم زواج باهظ الثمن لتقديمه للفتاة التي يحبها، وهناك الفتاة التي تظهر في المشهد الثاني من الفيلم، وفي هيئة شبح بعد منتصف الفيلم في نقطة تحول درامي، ثم نراها في مشهد التعرف الأخير(أي أن وجودها يمتد كمحور سردي فرعي من البداية للنهاية)، وهناك أيضًا الجملة التي يتلوها السارد في مفتتح الفيلم بصيغة ويأتي تطورها إلى صيغة ختامية آخر الفيلم، ففي البداية يقول الراوي بصوت عميق مؤثر:

  • "بينما بعض قصص الحب يكون الحديث عنها ذا معنى، فقصص أخرى من الأفضل أن تظل مدفونة".

ثم في الختام يقول بنفس الصوت القوي، مع ازدياده حكمة:

  • "بلى، بعض قصص الحب يحسن تركها مدفونة، وبعض أخر يحسن تركه ميتًا".

  هذه الجملة تفتتح السرد وتغلقه.


  في مقابل هذا الأساس المنغلق لبناء القصة، يهرب صانع الفيلم جاكوب هامبلين Jacob Hamblin من خلال نقاط منفتحة تكسب فيلمه مزيدًا من القدرة التعبيرية، بدءًا من توظيف شكل الحكايات المصورة الموجهة للأطفال، من خلال رسوم متحركة أشبه بخيال الظل أو صور حكايات صندوق الدنيا، وهو أسلوب وظفه التليفزيون في بداياته لإنتاج قصص الأطفال التي تشبه قصص الجدات قديمًا، بما يشكله ذلك من مخاطبة حنين المشاهد لمرحلة طفولته، مما يوافق ذكريات كثير من البشر في مختلف الثقافات المدنية المعاصرة، يأتي ذلك فيما قبل التترات كمشهد جذب Hook افتتاحي، مع توظيف صوت الراوي الذي يختصر كثيرًا من الأحداث التي قد يستغرق عرضها في شكل مشاهد حية زمنا طويلًا من الفيلم، لا يسمح به أمد الفيلم القصير، هذه الأحداث وقعت قبل بداية الفيلم وهي أساسية لفهم أحداثه وأفعال الأبطال خلاله.

  هناك أيضًا انفتاح بصري متمثل في توظيف الأبيض والأسود، والإضاءة التعبيرية التي تذكر المشاهد بأفلام الرعب القديمة، وحتى إن لم يكن من هؤلاء الذين شاهدوا هذه الأفلام فإن هذا الشكل البصري يثير شغفه بالماضي ويحفز مخيلته لإنتاج تصورات تسهم في إضفاء حالة أسطورية على الأحداث.

الأبيض والأسود يجرد الأحداث من واقعيتها، ويفسح مجالًا لاندماج المتفرج في فكرة الواقع الموازي الذي لا يُشترط أن ينطبق عليه نواميس الواقع الحي المعروف، فيمكن للميت أن يتأثر بأفعال الأحياء فينهض وينتقم، ويمكن للأحياء أن يتفاعلوا معه فيهاجمونه أو يقاومونه دون حاجة لتفسير منطقي.

  أيضًا مساحات الظلال الكبيرة في الكادر ساهمت في خلق مسرح شاسع لخيال المتلقي الذي يملأ تلك الظلال بمعرفته وبخيالاته الناتجة عن جهله بما قد يوجد فيها، فراغات بصرية متروكة لفعل المتلقي وتفاعله مع القليل الذي تكشفه البقع الضوئية المحدودة على الشاشة، هذه التقنية أيضًا ساعدت مدير التصوير جاكسون دين أهلاندر Jackson Dean Ahlander في تصويره الصراع والمطاردات في المقابر بالأسلوب القديم لتصوير النهار لإنتاج مظهر الليل أو ما يعرف عادة ب Day for Night، وهو ليس فقط اختيارًا فنيًا بل حل تقني أيضًا لإضاءة مساحة أرض المدافن الكبيرة الأشبه بغابة هائلة بتجهيزات إضاءة محدودة.

  أيضًا هناك انفتاح صوتي نجد أمثلة له بداية من الموسيقى التصويرية التي تسهم بقوة في تأكيد الأجواء الأسطورية، كما أن مشهدًا كاملًا هو مشهد حرس المقابر الليليين وحوارهم حول الفتاة المقتولة، وجدلهم حول الخرافات والخوف والشجاعة، ثم مطاردتهم للصوص وإطلاق النار عليهم، كل ذلك تابعناه دون أن يظهر في لقطة واحدة على الشاشة من خلال تراك الصوت.

  لدعم قصر الزمن الفيلمي، نجد الفراغات السردية تؤدي دورها باقتدار بين محاور سردية لا تتقدم حتى النهاية مثل محور السيدة العجوز التي تودع زوجها المتوفى وتعطي نصائحها للشاب المحب وتختفي بعد ذلك أو البائع الفضولي الذي يحكي للشاب قصة الفتاة ومجوهراتها الملعونة ولا يظهر مرة أخرى، هناك أيضًا فراغات على المحاور الممتدة من البداية للنهاية مثل محور الحانوتي العجوز والعروس المرتقبة اللَّذَيْن يختفيان في منتصف الفيلم تمامًا ثم يعودان للظهور في المشهد الأخير.

  الزمان والمكان أيضًا يؤكدان الانفتاح ويتركان مساحة من الفراغ البنائي لخيال المتلقي، فما يخلق إحساسك بالزمان والمكان هو الديكور والملابس والحوار والإضاءة والاكسسوار، وهذه العناصر تتضافر لتشوش قدرتك على تحديد أين وقعت الأحداث ومتى، فمثلًا بينما قد تشير الملابس والأجواء والممارسات إلى أوروبا الغربية، أو أحد مجتمعات المستوطنين الأوروبيين لأمريكا الشمالية في القرن السادس عشر أو السابع عشر، نجد طقسًا مثل وضع عملتين معدنيتين في فم المتوفى، وهو طقس روماني قديم اندثر بعد استبدال الإيمان المسيحي بالوثنية القديمة، وكان هدف أصحاب الطقس الأصلي هو منح إحدى العملتين للنوتي العجوز الذي سمي في هذه المعتقدات (خارون) أو (شارون) والذي كان يتولى نقل روح المتوفى عبر نهر (ستيكيس) إلى العالم الآخر. ورود هذا الطقس رغم أنه تأكيد على المعضلة الأساسية التي تؤرق بطل الفيلم وهي إهدار الثروات بدفنها مع الموتى، لكنه يلبس على المتلقي قدرته على تحديد العصر أو البيئة التي تحدث فيها تلك القصة. وهذا يفتح مجالًا لخياله كي يكمله.


  إذا أردت رأيي فهذا ليس فيلم رعب، كما تصنفه بعض المواقع، رغم تأثره بأفلام الرعب الهيتشكوكية القديمة، وإحساسك بأنه مأخوذ عن إحدى الروايات القوطية بأجوائها القاتمة الغريبة، لكنه بالأحرى تراجيديا أخرى عن عوالم هوس المحبين، حيث لا تنتهي قصص الحب دائمًا نهاية سعيدة.


أحمد صلاح الدين طه

16 أكتوبر 2025

dedalum.info@gmail.com

لمشاهدة الفيلم كاملًا بالأسفل:

الخميس، أبريل 24، 2025

السفير القدومي يتسلم جائزة أفضل فيلم وثائقي للمخرجة حياة لبان في تونس

 

السفير القدومي يتسلم جائزة أفضل فيلم وثائقي للمخرجة حياة لبان في تونس


تونس – استقبل سعادة السفير رامي فاروق القدومي، سفير دولة فلسطين لدى الجمهورية التونسية، صباح أمس في مكتبه بمقر السفارة، السيد كمال عويج، مدير مهرجان بانوراما الفيلم القصير الدولي.
وخلال اللقاء، تسلم سعادة السفير القدومي من السيد عويج الجائزة الأولى لأفضل فيلم وثائقي في المهرجان، والتي حصدها فيلم "ذاكرة مهشمة" للمخرجة الفلسطينية المبدعة حياة لبان. وقد تعذر على المخرجة لبان حضور مراسم التسليم واستلام جائزتها شخصيًا بسبب بعض الصعوبات.
يُعد فيلم "ذاكرة مهشمة" رحلة بصرية مؤثرة في ذاكرة المصور الصحفي الفلسطيني القدير محفوظ أبو ترك، الذي عاش الأحداث التاريخية الهامة من خلف عدسته. وقد وثق أبو ترك بشجاعة، من خلال أرشيفه الفوتوغرافي الثمين، أحداث القدس والضفة الغربية عن قرب، بدءًا من الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 وحتى نهاية التسعينيات، وكان حاضرًا بروحه وجسده في قلب الأحداث.
من جانبه، أعرب السيد كمال عويج عن تقديره العميق للمخرجة حياة لبان وعن أهمية الفيلم في توثيق جزء هام من تاريخ فلسطين. وأكد على دور السينما في حفظ الذاكرة ونقلها للأجيال.
هذا وقد أكد سعادة السفير رامي القدومي على أهمية هذا الإنجاز الفني الذي يضاف إلى رصيد الإبداع الفلسطيني، مثنيًا على جهود المخرجة حياة لبان في تقديم هذه الرواية البصرية المؤثرة. وأعلن سعادته عن قيامه بتسليم هذه الجائزة القيمة إلى صاحبتها المخرجة في وقت لاحق.
يُذكر أن مهرجان بانوراما الفيلم القصير الدولي هو مهرجان سينمائي دولي يهدف إلى دعم وتشجيع صناعة الأفلام القصيرة من مختلف أنحاء العالم، ويسعى إلى خلق فضاء للتبادل الثقافي والفني بين صناع الأفلام والجمهور. أما السفير رامي فاروق القدومي فهو الدبلوماسي الفلسطيني الذي يمثل دولة فلسطين في تونس. وتعتبر حياة لبان مخرجة فلسطينية واعدة، عرفت بتقديم أعمال وثائقية تلامس قضايا مجتمعية وإنسانية هامة. فيما يُعد محفوظ أبو ترك من أبرز المصورين الصحفيين الفلسطينيين الذين وثقوا مراحل مفصلية من تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

السفير القدومي يتسلم جائزة أفضل فيلم وثائقي للمخرجة حياة لبان في تونس


الأربعاء، ديسمبر 18، 2024

مجلة سومر السينمائي 18: إضاءات جديدة على السينما البديلة والخيال العلمي

 

سينما من كل الزوايا: صدور العدد 18 من مجلة سومر السينمائي


صدور العدد الجديد من مجلة سومر السينمائي (العدد 18)
 

  صدر مؤخرًا العدد الثامن عشر من مجلة سومر السينمائي، المجلة الشهرية المتخصصة التي تصدر عن مهرجان سومر السينمائي الدولي. يضم العدد الجديد مجموعة غنية من المقالات والدراسات السينمائية لنخبة من الكتّاب والنقاد العرب، تتناول قضايا السينما العالمية والعربية من زوايا نقدية وفكرية مميزة.
 

أبرز الموضوعات:
يتضمن العدد مقالات ودراسات تتناول موضوعات مهمة مثل:

  • السينما البديلة ودورها في تقديم رؤى جديدة.
  • السريالية وأثرها في نقد المجتمع عبر السينما.
  • أفلام الخيال العلمي والميزانسين في السينما المصرية.
  • تأثير النكبة على السينما وأعمال تعيد قراءة التاريخ من زوايا جديدة.
  • دراسات نقدية لأفلام عالمية بارزة وتحليل قضايا السلطة والهوية في السينما.

 

الكتّاب المشاركون:
يضم العدد مقالات لعدد من أبرز النقاد والكتّاب العرب، من بينهم نزار شهيد الفدعم، صفاء زهير، ثناء هاشم، ناجح حسن، هشام الودغيري، محمد بنعزيز، نزار السامرائي، هاني حجاج، وأحمد صلاح الدين طه.


 

عودة قوية لمجلة سومر السينمائي.. أحدث الدراسات وأقلام النقاد

 

للتواصل والاطلاع على المزيد:

  • يمكن متابعة المجلة عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك:

Sumer Film Magazine

 

سومر السينمائي 18: دراسات وأبحاث تكشف أسرار الشاشة الكبيرة

 

الثلاثاء، ديسمبر 10، 2024

الدروج.. إرهاصات سينما عمانية تنتظر الكشف عن كنوزها الدفينة

 

الدروج.. إرهاصات سينما عمانية تنتظر الكشف عن كنوزها الدفينة


  تبدو السينما لنا إزاء عُمان مساحة مثيرة للدهشة؛ بلد مثل عمان بكل ما تشمله من تاريخ طويل للغاية لأرض استوطنها البشر منذ أمد يمتد إلى ثمانية آلاف عام، شهدت خلالها تطورًا للحياة. ظهرت وتسلطنت فيها ثقافات وحضارات، ممالك ولدت فيها وهجرات أمتها، طريق تجارة عالمية مر بها وغزاة طمعوا في خيراتها. أرض شديدة الثراء ومجتمعات متنوعة ومتآلفة بين الريف والحضر والبادية. سلام ودعة في الطبيعة الخلابة وسكانها، فورة هبت وثورات شبت من أجل طرد أطماع الأوروبيين وتأسيس دولة حديثة.. كل ذلك ولم نر سينما تضاهي هذا الزخْم الرائع رغم أن البلد مؤهلة للغاية لتكون لا أقول مصدرا للأفلام، بل مركزا لصناعة السينما في المنطقة.


  لذلك نجد الترحيب بالتجارب السينمائية التي تأتينا من هذا البلد الطيب بين حين وآخر كإرهاصات نرجو أن تستمر وتجد دعما يثريها وتعاونًا يرتفع بها إلى مركزها الذي يليق لها والذي ما يزال منتظرها. من هذه التجارب أمتعنا فيلم الدروج وهو فيلم قصير لواحد من الناشطين ذوي الشغف بالسينما والقص ورعاية نشر الثقافة السينمائية من خلال الجمعية العمانية للسينما، وأخيرًأ أراد خوض مجال الإخراج من خلال الدراسة وليس الموهبة فقط فأم المدرسة العربية للسينما وتتلمذ على يد الرائدة الدكتورة منى الصبان، وهو (حُمَيد بن سعيد العامري) الذي كان هذا الفيلم مشروع تخرجه رغم أن خبراته السينمائية تتخطى فكرة المشروع.


  الدروج هو اسم يبدو لنا غامضًا. كلمة باللهجة العمانية يبدو أنها مشتقة من لفظ (الدرج) وهي على ذلك تشير إلى تدرج ما، هل هو درج صاعد من الذات إلى الوجود أم هابط من الشخصية (المظهر) إلى أعماق النفس بأغوارها ومكامنها السحيقة الغامضة؛ يتركنا العنوان بذكاء مع التساؤل، بوابة أولى لسبر أغوار القصة تشير ولا تكشف المعنى.


  اختار حميد العامري الذي هو أيضًا كاتب السيناريو أن يبني قصته متبعًا قواعد القصة القصيرة الكلاسيكية؛ فيقدم لنا لحظة كاشفة للماضي سابرة للمستقبل:

  تذهب أم مع ابنها، الذي قدر له الله أن يكون من ضعاف السمع (لا نكتشف ذلك إلا في آخر الفيلم) إلى الشاطئ، حيث متسع للعب الصغير ولتأمل الأم لحالها والضغوطات التي تعانيها كأرملة بعد فقد الزوج، فمن جهة تجد من يحثها على الزواج لأنها ما تزال صغيرة، ومن جهة أخرى نجد حماتها تهددها تهديدًا قطعيًا بأخذ ابنها منها لو تزوجت، ومن ناحية ثالثة تصارع أمومتها التي تفرض عليها إحساسًا بالمسؤولية تجاه ابن يحتاج إليها في سنه هذا وحالته تلك، وأنوثتها التي تحتاج أن تكتشفها من خلال رفيق عمر افتقدت وجوده مبكرًا.


  الحدث الدرامي الرئيس الذي خلق الدراما هو رحيل الأب الذي وقع قبل بداية الأحداث، خارج خط السرد الرئيس، وهو حدث قوي في المجمل لصنع دراما إجتماعية مؤثرة، ويمكننا أن نتذكر عددًا كبيرًا من الأفلام العظيمة التي بُنِيَت أحداثها على فعل درامي مماثل، على سبيل التوضيح وليس الحصر عندنا: فيلم (بابا أمين) ليوسف شاهين، و(بداية ونهاية) لصلاح أبوسيف، و(العار) لعلي عبدالخالق، و(سواق الأتوبيس) لعاطف الطيب، وغيرها الكثير مما يدل على أهمية الحدث وهو مصاب جلل بالنسبة لكل أسرة في مجتمعاتنا الشرقية التي يكون قيامها على أساس رعاية الأب، رب الأسرة وولي أفرادها المهيمن بإذنٍ رباني والمكلف بأمر إلهي. غيابه سواء بالموت أو الهجر أو التفريق القسري لأي سبب يؤذن بانهيار البنيان. أزمة للأم/الزوجة وتشريد للذرية إلا أن يُستبدل راعٍ براعٍ آخر لتستمر الحياة.

  

  قوة الحدث الرئيس يتبعها قوة حدث آخر هو نقطة التحول في خط السرد، وهو غيابٌ آخر، غياب الابن الذي يأخذه اللعب إلى الاختفاء فتظن الأم أنه غرق في البحر. وبمعرفتها تلك تتحول حياتها إلى الشقاء، لكن يحد من أثر الشقاء أنه تحول من شقاء إلى شقاء وليس من نعيم إلى شقاء. الزوجة تعيش جحيم خواطرها أصلا فيكون فقدها للابن مجرد جحيم آخر، ويبدو أن صانع الفيلم كان قاسيًا إلى حد كبير في تصوره لحياة امرأة في مثل تلك الظروف، فرغم ما يبدو ظاهريًا من أن الفيلم يناقش معاناتها بحياد عقلاني إلا أنه آخر الأمر يحكم عليها بالجهل بمصير الابن وذلك عقاب قاس لأم، بينما يكون أكثر لطفًا مع المشاهدين فيعطينا أملًا عندما نرى الطفل لا يزال حيًا مختبئًا يلهو في مكان ما على نفس الشاطئ.


  الأم وابنها هما الشخصيتان الرئيستان، محور الفيلم، يعرفنا صانعه بهما بشكل جيد لكنه يغفل إلى حد كبير عن إشباعنا بتفاصيل تلك العلاقة الخاصة بين الاثنين، تلك العلاقة التي يفترض أن تدفعنا للتعاطف مع الأم أو الخوف والقلق بشأن الصغير، نعرف على استحياء في آخر الأحداث كون الصغير من ضعاف السمع وهو ما بدا تداركًا من العامري لتبرير نقطة التحول لكننا لا نعايش مأساة الشخصية من البداية، نجد إشارات في الحوار وفي الأحداث الموازية (مشهدي الفلاش باك) إلى وجود إعاقة ما عند الصغير لكننا لا ندرك كنهها فمثلا إلقاؤه الكرة على فنجان الشاي أمام قريبة الأم، وكذلك كسر المزهرية في منزل الجدة، هذه أمور تقع ويمكن أن يأتي بها أي طفل في هذا السن دون أن يكون ذلك قضية تشغل الأسرة أو تحفز ردود أفعال مبالغ فيها كما نرى من تعبيرات الضيفة أوالجدة.


  شخصية الأم أيضًا كانت تستوجب استحضار مزيد من تعاطف الجمهور، رغم الأداء الجيد للفنانة حبيبة الصلطية، لكن بناء الشخصية نفسه كان بحاجة لمزيد من النقاط القادرة على الغوص في نفوس المتلقين للنهل من مشاعرهم العميقة؛ فعلى سبيل المثال نحن نرى امرأة في سن النضج، قوية متماسكة، تتمتع بحياة رغم غياب الأب إلا أنها ليست منهارة فهي تعيش في مستوى اقتصادي جيد، تملك سيارة عائلية ولديها هاتف مناسب تتلقى عليه اتصالا من صديقة أو قريبة يعني إن لديها أصدقاء فهي لا تعاني الوحدة مثلًا، وتتمتع بعائلة تضمها ولابنها جدة تعرض عليها طواعية أن تربي الابن بدلًا منها (مثلما ربت أباه)، وهذه الجدة بدورها تعيش في منزل كبير يشي بطيب الحال. كل هذه العناصر تجعلنا نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟):

 ماذا لو جعل صانع الفيلم البطلة لا تزال مراهقة بأن تكون تزوجت في سن مبكر جدًا وترملت وهي بعد صغيرة جدًا، لها حاجاتها ومتطلباتها الغريزية التي لن يلومها عليها عاقل؟

 ألم يكن ذلك سببًا وجيها لحفز تفاعل المتلقي مع الشخصية فتجد بعض التعاطف مع قلقها وانشغالها عن ابنها (فِلذة كبدها) بالتفكير في مستقبلها العاطفي؟!

 ماذا لو عايشنا سعادتها وعلاقتها الخاصة القريبة بالابن مما يجعلها تستبعد أي احتمال للتخلي عنه وتعتبر فكرة إبعاده عنها مأساة تحاول الفرار منها؟

 ماذا لو كانت تعاني الفقر والحاجة مما يضطرها إلى الزواج بآخر أو اللجوء إلى أهل الزوج لطلب المعونة فيكون ذلك سببًا لعمق المأساة؟

 ماذا لو اطلعنا على ظلال حياتها مع زوجها الراحل، هل كانت تحبه؟ هل كان عطوفًا م قاسيًا معها؟ هل كان رحيله مأساة أم مجرد حدث عادي؟ ماذا لو عايشنا أزمتها كأنثى في مقتبل العمر لها حاجاتها النفسية والجسدية والاجتماعية التي ترفع قلقها وضيقها وتؤكد أزمتها؟


  الفقرة السابقة كنت لا أود كتابتها، لأنني أفترض أننا كمتلقين ليس علينا أن نفرض رؤيتنا على رؤية صانع العمل، لكن يبقى أن الأفكار التي ترد على خواطرنا ونحن نشاهد العمل هي جزء من العمل ذاته، فقد حفزنا الفيلم على التفكير فيها وبالتالي من حق صانع الفيلم أن يعرفها لأنها امتداد لعمله نفسه، وهذا ما أصبح مصطلحًا عليه في العصر الذي نعيشه في جميع الفنون؛ عصر التلقي، حيث أدرك العالم أن الإبداع الفني لا يسير في خط مستقيم من منتجه إلى متلقيه، بل هو حلقة فيها طاقة مستمرة الحركة مترددة باستمرار لا يفنى. تبدو كما لو كانت انبعثت من الفنان، لكن الحقيقة أن الفنان نقطة على الدائرة التي تمتد إلى العمل الفني ثم إلى المتلقي، ولا بد أن يستمر اندفاع هذه الطاقة نحو المبدع مرة أخرى عبر النقد الذي يحافظ على توهج حلقة الإبداع وسط حلقات أخرى عديدة تشكل الكون الحي بثقافاته المتألقة.


  قدم لنا مدير التصوير محمد العجمي بالتعاون مع المخرج صورًا رائعة تكشف عن جمال الطبيعة في عمان خاصة في لقطات الطائرة (الدرون) الواسعة للشاطئ والبحر، وكانت الكاميرا دائمًا موضوعية تراقب الأحداث ولا تتبنى وجهة نظر الشخصيات. أحيانًا حاول المصور التفاعل مع الحدث من خلال حركة الكاميرا المحمولة للحاق بالأم المكلومة وهي تبحث عن ابنها الغائب. أما من حيث الإضاءة فقد كانت موضوعية واقعية محايدة تمامًا، وهو أمر معتاد في تناول الدراما الاجتماعية رغم أن هذا الأسلوب لا يسمح لمدير التصوير باستعراض مهاراته، لكنه أسلوب يسمح بإفساح المجال للتركيز أكثر على الموضوع.


  الموسيقى رغم أنها ليست مؤلفة خصيصًا للفيلم، لكنها جاءت إلى حد كبير متوائمة مع المشاهد وإن كنا أيضًا نتصور لو أنها موسيقى أكثر ارتباطًا بالبيئة المحلية لكانت أقوى وأبعد تأثيرًا، كما أنها ستضفي طابعًا من الأصالة الفنية.


  قد يمكننا التغاضي مع قوة الموضوع عن بعض الهنات التقنية في الصوت والتي انكشفت عند القطع أحيانًا كما في مشهد لقاء البطلة مع قريبتها، لكنها نقطة مهمة، لأنها تعكر صفو المشاهد وتخرجه من الاندماج مع واقعية المشهد.


  حرص المخرج على أن يكون عمله أكاديميًا يسير كما يقول الكتاب بحذافيره، وهو حرص نتفهمه في مشاريع التخرج، لكن ذلك غالبًا يخفض تألق الروح الإنسانية المبدعة خلف العمل الفني وهي عنصر لا يمكن التغاضي عن أهميته في الإبداع الفني، ومع ذلك لم يمنعنا الحرص على الصنعة من اكتشاف تلك الروح الفنية المتوثبة للإبداع والموهبة التي تعلن عن نفسها لدى سعيد حميد العامري وفريق المبدعين الذين شاركوه صناعة العمل الذي نراه إراهاصًا بكشوف فنية قادمة تأتينا من الخبيئة العمانية التي لم تكشف عن كنوزها الدفينة بعد.


أحمد صلاح الدين طه

الثلاثاء 10 ديسمبر 2024

dedalum.info@gmail.com

  

  

الاثنين، أغسطس 19، 2024

فيلم Dirt وفنية تضمين الرسائل الأخلاقية

 

Lucas Jones,Eve Gordon Dirt Directed by Paul Preston

  كثيرًا ما يميل صناع الأفلام القصيرة إلى الغنائية، علو الصوت وحشد المشاعر والتعبيرات البصرية والسمعية والدراما لتقديم فيلم كأنه طلقة مدفع في لحظة شديدة القصر لكن أثرها يبقى في الذاكرة كصدى صوت أو كحطام قلوب، محل الانفجار.

  بول بريستون أخذ الطريق المعاكس؛ قدم فيلما شديد الرقة والعذوبة، بإيقاع تأملي حالم، يبدو الصراع الظاهري فيه مجرد أثر خارجي لصراع يحتدم داخل الشخصيات، لا ننخرط فيه لكننا ننفعل به، نعايشه بعمق من خلال سرد سينمائي تقليدي يستفيد من تقاليد السينما الكلاسيكية بفهم عميق لقواعدها وتأثر بالاتجاهات الرومانتيكية في الفن أضفى بعدًا من السحر والغموض على قصة هي في الأصل شديدة الواقعية، وأحداث قد تقع (وهي تقع بالفعل) في أي مكان من العالم.

  الحدث الدرامي الرئيسي يقع قبل بداية الأحداث، حيث ينشر رفيق البطلة السابق أو ما عدنا نسميه ب (الإكس Ex) صورة شديدة الخصوصية لها، نكتشف الواقعة مع البطلة في المشهد الأول دون أن نرى الصورة نفسها لكننا نشهد وقع الاكتشاف على وجهها حيث تفزع عندما ترى أن أحدهم أشار إليها في صورة على أحد مواقع التواصل، ترى الصورة وتنصدم، تهرول إلى ذلك الإكس الذي خان خصوصيتهما معًا لكن المسألة تتعقد أكثر عندما تصل إليه في لحظة يكون فيها ظاهرًا على الهواء، يعرض موسيقاه على متابعيه، تقاطعه متوترة قبل أن تكتشف أنها عقدت الأمور أكثر بظهورها معه، تنصرف مرتبكة وقد شعرت أن العالم يتآمر عليها.

  تواجه مشاكل في دراستها الموسيقية، بينما يسيطر عليها الإحباط والشعور بالدونية والضياع وعدم القدرة على تخطي الأزمة، حتى إنها عندما تفكر في مواجهة رفيقها السابق وتهديداته تقع ضحية لهجومه واستهزائه واستهتاره بمشاعرها. تقف عاجزة ولا تستطيع دحره، بل تنصرف خائبة، لكن كما يقال إن الضربة التي لا تقصم الظهر تقويه يبدو أنها تتخطى المرحلة، بل تنشر بنفسها الفيديو كاملا لهذه اللحظة التي دعاها فيها رفيقها لخلع قميصها، ففعلت لاهية ظنًا منها أن التسجيل سيظل خاصًا جدًا بين الحبيبين. لم تحسب مطلقًا أن العلاقة بينهما قد تنفصم. قال لها: "ألا تثقين بي" فابتسمت بسذاجة وصبت في جوفها كوب بيرة في جرعة واحدة، وراحت لاهية تنفذ أوامره التي بدت لها ودودة وبسيطة للغاية قبل أن تكتشف حقيقته.

  نشرت الفيديو على صفحتها الخاصة وكتبت عليه عنوانًا ذا مغزى: "There are two tragedies in life; Not getting what you want, and Getting it" أو (هناك نوعان من المأساة في الحياة؛ أن لا تحصل على ما تبتغي، وأن تحصل عليه)، نشرت ذلك وراحت تكمل مقطوعتها الموسيقية وتستمر في طريقها بهدوء.

  الفيلم القصير (Dirt) يحاول تقديم دعم نفسي، عظة أخلاقية دون أن يقع في فخ الصوت العالي، دون أن يخرج عن عالم الفن الذي يفرض على صانعه أن يُلَمّح ولا يُصَرّح، وفي سبيل ذلك ينتصر للبطلة ويجعلها هي نفسها تنتصر لنفسها من خلال صراع مواز حيث تجاهد البطلة من أجل إنجاز مقطوعة موسيقية تسمح لها باستكمال دراستها دون عوائق، وبينما تتعثر مرارا وتكرارا؛ نتابع البطلة ونحن نتتبع قصتها مع حبيبها السابق ونجدها بعد إخفاقات آخر الفيلم تجلس على البيانو وتعزف مقطوعتها التي اكتملت. هكذا إذا نكتشف أنها عَبَرَت أزمتها وانتصرت على مخاوفها وتهديدات الآخر.

  بنية الفيلم جاءت كلاسيكية نكاد نرى فيها تطبيق أقدم قواعد الدراما الأرسطية بحذق شديد يدل على فهم عميق ووعي تام بها. بوضوح نرى تصاعد الأحداث من بداية فوسط ثم نهاية.

  في البدء نتعرف على الشخصية من خلال جلوسها ومحاولتها تأليف مقطوعة موسيقية، ثم تأتي المعرفة (قاعدة التعرف والتحول) حيث تكتشف صورتها الخاصة التي تعتبرها مشينة وقد نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي فتتحول حياتها من الدعة إلى الشقاء، وتسارع بالذهاب إلى الآخر، وكما يقول سارتر الجحيم هو الآخرون، وكذلك تجده حيث نصب لها الآخرُ شَرَكًا: إما أن تعود إليه أو يدمرها. وهنا محور الصراع الذي لا تكون الدراما الكلاسيكية إلا به، صراع البطلة من أجل إثبات وجودها في عالم داخلي يحكمه خوفها وشعورها بالضعف والانهزام، تتصور الجميعَ مشتركين في التآمر عليها، الفتيات اللاهيات في سكن الطالبات، المشرف في الكلية، رفيقها السابق وحتى أصدقاؤه الذين يصوبون نظراتهم القاسية إليها.. الكل ضدها.

  اختيارات صانع الفيلم الفنية سهلت حكيه لقصة آريا الفتاة المغلوبة على أمرها والتي ينتصر لها في النهاية بجعلها تتخطى محنتها آخر الأمر وتنتصر على مخاوفها. اختيار الممثلين كان خطوة مهمة: آريا أدت دورها Eve Gordon بملامحها البريئة التي تدفع المشاهد للتعاطف معها والتي أكدتها الإضاءة الناعمة التي تأتي دائمًا مباشرة تجعل الوجه مشعًا بمظهر ملائكي، وليون أدى دوره الممثل الشاب Lucas Jones ذو الملامح الحادة المنحوتة التي أكدتها باستمرار الإضاءة من خلال وجوده دائمًا في مناطق الظل بحيث يسقط الضوء على وجهه من الجانبين ليرسم ظلالًا مخيفة على الوجه توحي بما يعتمل في نفسه من سواد زاده استخدام عدسة واسعة الزاوية (Wide angle lens) في اللقطات المقربة للوجه، كلا البطلين يبدوان كما لو كانا صورتين من تراجيديا إغريقية قديمة، ولو تصورنا آريا بملامحها تلك ربة للدعة والجمال سنتصور ليون كأحد آلهة الشر أو الحرب أو الهلاك.

  بحرص أيضًا تم اختيار الأماكن والأزمنة والملابس والإضاءة المرتبطة بالشخصيات فبينما نجد آريا دائمًا في أماكن ضيقة مثل غرفتها أو ممرات سكن الطالبات الخانقة تحت إضاءة خافتة (Low key) تؤكد بؤسها وأزمتها النفسية وصراعها الداخلي، يؤكده أيضًا إطار الصورة حيث تظهر معظم الوقت في لقطات مقربة وحتى عندما تكون في لقطة واسعة في استوديو الموسيقى يتم تصوير الغرفة داخل إطار (من خلف نافذة زجاجية) مع تكرار ظهورها في الكادر للإيحاء بالازدحام والتخبط الذي تعيش فيه.

  ليون عدو البطلة لا نقابله إلا داخل بار سواء كان جالسًا وحيدًا بصحبة هاتفه الذي يَبُثّ من خلاله على الهواء تجاربه الموسيقية عبر وسائل التواصل، أو بصحبة آخرين يتبادلون الأحاديث حول كؤوس البيرة.. نفس المكان دائمًا كأنه يسكن ويعمل ويقابل أصدقاءه فيه. اسم البار قد يكون ملفتًا: Polar Pear أو الدب القطبي وهي إشارة ربما لما يمثله ساكنه ككائن وحشي مفترس.

  عندما جاءت البطلة إليه للومه على تهديده الذي أرسله لها، خرج معها من البار لكنهما لم يخرجا إلى الشارع، بل بقيا في ممر ضيق ملحق، ليبدو المكان مناسبًا لهذا الصراع الذي وجدت فيه البطلة نفسها تواجه كائنًا همجيًا في حفرة حبست معه فيها فلا نجاة ترجوها. عندما يتركها بعد إهانتها وتحطيم أعصابها تخرج إلى الشارع تبدو كسيرة النفس خاسرة يائسة.. إنه نفس المكان الذي يشهد الآخر عندما يكتشف أنها تخطت تهديداته وانتصرت، هذه المرة يكون هو الخاسر الخائب في نفس المكان.

  الحوار أيضًا تم توظيفه بعناية فائقة، كلمات بسيطة قليلة لكنها تشكل رصاصات تخرج من فوهة بندقية في الوقت المناسب لتصيب الهدف بدقة، مثلا وليس حصرًا تقول البطلة وهي تجادل الآخر:

-          لقد كانت صورة خاصة It was (F..) private photo.

فيجيبها بنطاعة منقطعة النظير:

-          لقد كانت! It was.

حوار بسيط وكلمات محدودة للغاية اختصرت الكثير وساهمت مع تعبيرات الوجوه ولغة الجسد في رسم الشخصيات وتكثيف المشهد لينقلنا إلى مرحلة الانفعال وإصدار الأحكام على الأشخاص والأحداث والتفاعل وتكوين توقعات واحتمالات لمستقبل كل منهما، الولد يقول ذلك ويحتسي جرعة من كأسه باستهتار فيرسم تفاصيل شخصيته ويحدد انطباعنا إزاءه.

  هناك أداة أخرى وظفها بول بريستون ببراعة لنقل المعلومات دون أن يذكرها بشكل مباشر وهي الكلمات المكتوبة، عنوان اللايف الذي يظهر الفتى به والذي يواري من خلاله عن متابعيه وجهه القبيح خلف قناع من الغموض والحكمة المزيفة: "سوف أراكِ في عالم آخر، وسنكون كلانا قِطَّيْن"، وعنوان الفيديو الذي تنشره الفتاة بعد أن تعزم أمرها وتتغلب على مخاوفها والذي يتحدث عن تراجيدية الاختيارات المتاحة للبشر في الحياة، وبين ذلك نجد الرسائل النصية على اللابتوب والموبايل وحتى اليافطة التي تحمل عنوان البار.

  فيلم Dirt الذي يمكن ترجمة اسمه إلى قذارة أو بذاءة أو رجس، يفجر تساؤلًا لدى المشاهد حول: (من البذيء؟) هل هو تلك الفتاة التي تجد نفسها فجأة والعالم يتداول صورتها عارية، أم ذلك الرفيق النذل الذي يبتزها عاطفيا ويضغط عليها ويعرضها للإذلال حتى يتحكم فيها دون أن يأبه بما أحدثه بقلبها من شرخ قد لا تداويه السنون.

  فيلم رقيق يسير بلطف وينقل رسالته بهدوء رومانتيكي يتغلغل في النفس ويصيب شغاف القلب.

أحمد صلاح الدين طه

18 أغسطس 2024

dedalum.info@gmail.com

 

لمشاهدة الفيلم على فيميو اضغط هنا

لمشاهدة الفيلم على يوتيوب

 

Lucas Jones,Eve Gordon Dirt Directed by Paul Preston

Lucas Jones,Eve Gordon Dirt Directed by Paul Preston

 

Lucas Jones,Eve Gordon Dirt Directed by Paul Preston

Lucas Jones,Eve Gordon Dirt Directed by Paul Preston

Lucas Jones,Eve Gordon Dirt Directed by Paul Preston

Lucas Jones,Eve Gordon Dirt Directed by Paul Preston

الجمعة، يوليو 26، 2024

الساندوتش الذي كان مؤهلا لدور البطولة في فيلم عطيات الأبنودي

فيلم الساندويتش لعطيات الأبنودي


  في إحدى الدورات التي حضرتها قبل سنوات عديدة عن صناعة الأفلام التسجيلية، ظل أحد المحاضرين يغذي عقولنا بمعلومة مفادها أن كل شيء وكل شخص يصلح ليكون موضوعًا لفيلم تسجيلي، معلومة تلقتها عقولنا بتقبل تام لأننا جميعًا في تلك المرحلة كنا محترفين وذوي خبرة جيدة تتيح لنا التأكد من أن المعلومة صحيحة وقد اختبرنا صحتها في أعمال مختلفة للتليفزيون.  عندما وصلنا إلى مرحلة التطبيق العملي في الدورة التدريبية وكان على كل منا طرح فكرة لتنفيذها كمشروع نهائي، وجدنا نفس المحاضر يعارض بشدة تنفيذ مشاريع عن أشياء تبدو غير براقة مثل فكرة عن كوب شاي (مثلا)، أو كافيتيريا عم فلان التي بجوارنا.

  كل من طرح فكرة كهذه كان يرى أو يتصور في ذهنه إمكانيات صناعة فيلم جيد من خلالها.. لكن الرجل رفض قطعيًا وصول أي فكرة منها لمرحلة التنفيذ معلنًا أن: "ما أهمية كوب الشاي أو صانع الشاي لنصنع عنه فيلمًا.." أي أنه في آخر الأمر ضرب الحائط بكل المفاهيم النظرية التي درَّسها لنا طوال أمد الدورة.

  في فيلم الساندوتش، كانت عطيات الأبنودي من الشجاعة بحيث استكشفت من خلال كاميرا سينمائية مواطن القوة في شخصية (سندوتش اللبن الطازج بخبز البتاو الصعيدي) التي جعلته جديرًا بأن يكون بطلًا ترصد من خلاله تقاطعات الذاكرة والموروث مع الحاضر ومع أبجديات المكان وطبيعة الإنسان وتفاعله مع البيئة التي يعيش فيها أو كان يعيش فيها يومًا ما.

  لا يمكننا أيضًا إغفال دور عبد الرحمن الأبنودي في هذا الفيلم، ذلك الدور الذي قد يكون متواريًا خلف وصفه في تترات الفيلم بأنه صاحب الفكرة.. فقط صاحب فكرة!!

  عندما نبحث قليلا في حوارات الأبنودي، شاعر العامية الراحل الكبير، ونقرأ كثيرًا من أشعاره نكتشف أن الفيلم ساحة أخرج من خلالها صورًا عن ومن طفولته في قريته أبنود. تعاون مع المخرجة الوثائقية سابرة الثقافة المصرية الباحثة عن ذات المواطن المصري وهويته الآنية غير المصطنعة من سلاطين قمة الهرم الثقافي أصحاب الوجاهة والانحيازات الأيديولوجية. معًا، الأبنوديان قدما عملا مشتركًا يعد قطعة فنية فريدة، ذاخرة كمكنون الجواهر بألق تُزيده الأيام سطوعًا.

  موضوع الفيلم يدور حول أحد الأطعمة التي يتقوت بها أطفال القرية النائية أثناء يومهم الغني بالأحداث. يخرجون أول النهار لرعي الأغنام وفي جيب كل منهم بتاوته، رغيف من خبز البتاو الصعيدي، وهنا نلفت النظر إلى تشابه الاسم مع البتاو الفلاحي الذي يصنع في شمال مصر لكنهما نوعان مختلفان كليًا، فبينما خبز الشمال رقيق مبطط مقرمش، يكون الجنوبي كما وصفه الأبنودي في أحد أحاديثه أشبه بالقنبلة اليدوية شديد الصلابة، يقال إنه لو ألقي على أحد كان كفيلا أن (يفتح قرنه) أي يشج رأسه، لكن شاعرنا عندما سُئل إذا كانوا وهم صغار يستخدمونه في شجاراتهم؛ تبسم وقال: "ومين ممكن يضحي ببتاوته، ما الأرض مليانة طوب".

  البتاو يصنع من دقيق الذرة في الغالب أو الدقيق المخلوط من الذرة والقمح، وهذا هو الفرق الأساسي بينه وبين الخبز الشمسي المصنوع من دقيق القمح الخالص، والذي ما يزال منتشرًا في الصعيد حتى إنه تطور فتضاف له محسنات قوام تجعله أكثر طراوة وأسهل في الأكل على خلاف البتاو شديد القساوة، الذي تعد قساوته عيبًا مؤقتًا فيه وميزة ممتدة حيث يمكن أن يبقى صالحًا للأكل لأمدٍ بعيد فكان مناسبًا (في تلك الأيام) لطلبة المدارس الثانوية والجامعات الذين كانوا يضطرون للالتحاق بمدارس بعيدًا عن قراهم في المدن والمراكز. يكون معهم جوال مليءٌ بالبتاو يأكلون منه طوال العام دون أن يصيبه أي تلف، كل ما عليهم تسخينه بعد رشه بالماء أو غمسه في اللبن.. غالبًا هذا هو نفسه نوع الخبز الذي وجد في مقابر المصريين القدماء والذي تتداوله المتاحف الآن دون أن يصيبه تغيير يذكر.

  يخرج الأطفال بأغنامهم كأنهم قادة فرق في جيش عرمرم، كل منهم معه بضع عنزات ونعاجًا وخرافًا لأهله أو لجيرانهم، ويجتمع الكل تحت قيادة عم العادلي، ذلك الرجل العجوز الذي يتابعهم وفي يده عصًا طويلة لا تملك سحر عصا موسى لكنها كفيلة ليقود بها الجمع فيرعى الغنمَ ورعاةَ الغنم. يمرون خلال دروب القرية وساحاتها في جولة يقضون فيها النهار، هذا عمل يومي يساعد على جعل الأغنام تجوع فتأكل أكثر، والمجهود الذي تبذله في ذلك التمرين اليومي يقوي عضلاتها التي تتحول آخر الأمر إلى لحم أحمر شهي قليل الدسم على مائدة شخص ما.

  بعد الجولة المرهقة يحصلون على استراحة ممتعة. يُخرج كل منهم بتاوته التي أحضرها من بيته ويبدأ في تحضير الساندويتش الخاص به، يبدأ بتفريغ لبابة الخبز، ثم ينتقي عنزة أو نعجة ممتلئة الضرع فيحلب لبنها مباشرة داخل خبزه المفرغ الذي يشبه القرعة أو الطبق المجوف نصف الكروي، وبعد أن يعبئها باللبن يبدأ في إعادة اللبابة ويتركها فيه قليلا ليختلطا ويطرى الخبز ليصير لديه ساندويتش لذيذ غني بالمواد الغذائية المتنوعة التي تكفيه لوجبة مثالية مشبعة.

  هذا الساندويتش كان جزءًا من ذاكرة عبد الرحمن الأبنودي، وغالبًا لم يكن لذلك الطعام حضورٌ كبيرٌ وقت تصوير الفيلم في عام 1975م. أحد الطفلين الذين رأيناهما في الفيلم يصنعان الساندويتش ويأكلانه، في لقاء فيديوي لبوابة الأهرام الصحفية (بعد أن صار هذا الطفلُ الحاجَ حسين إبراهيم. كهلا يتخطى الخمسين أو الستين عامًا) ذكر أنه حينها لم يكن معتادًا على البتاو أو يعرف شيئًا عن ساندويتش لبن الماعز، لكن الأبنودي نفسه في تسجيل تليفزيوني تحدث عنه كجزء من طفولته وأسهب في وصف تفاصيل صنعه كأفضل أنواع الأكل التي اعتادها في صغره خلال اليوم الذي كان يقضيه مع أقرانه في دروب القرية.

  منذ اللحظة الأولى أسست عطيات الأبنودي فكرة أنها لا تقدم مجرد ساندويتش، إنه بوابة تطرح من خلالها قضية.. قضية النأي عن العاصمة: (البعيد عن العين بعيد عن القلب) كما يقول المثل، وقرية أبنود تبعد عن القاهرة حوالي ستمائة كيلومترًا، وكما يشير النص الذي يبدأ به الفيلم لا تقف عندها القطارات التي تحمل السائحين إلى الأقصر. هذا النص يتردد معناه في نهاية الفيلم بلقطات مرور القطار بالقرية حيث يحتفي به الأطفال فيهرولون لاستقباله بفرح ومرح طفولي يقابله بعجلة حديدية لا تكترث بوجودهم بل تترك القرية وترحل مخلفة الصمت.

  مع تترات البداية نسمع صوت حداء بدوي، وهو غناء مأخوذ من الأصوات التي يطلقها حادي الإبل ليجمع ماله في الصحراء. غناء حزين غير مفهوم لنا اليوم، لكنه يحيلنا إلى حالة من التغريب تفصلنا عن الواقع. تخرجنا من الزمن الذي نسي القرية الجنوبية أو تركها عفوًا في لحظة من الماضي. ما تزال تعيش كما كان غيرها يحيون قبل عشرة قرون من الزمان أو يزيد، ومن طرب اللحن الحزين نخرج إلى مجموعة من اللقطات المقربة، ومعظم اللقطات التي ستقابلنا في الفيلم لقطات قريبة، ما يعبر عن اهتمام مدير تصوير الفيلم الدكتور ماهر راضي بالتفاصيل في كل شيء، حتى اللقطات الواسعة التي تأتي في السياق لم تكن شديدة الاتساع، كما لم نر أي استخدام لعدسات متسعة الزاوية طوال الفيلم، وهو اختيار قد يكون لظروف إنتاجية، فلا نتوقع أن تكون رفاهية الاختيار متاحة بالنسبة لفريق العمل الذي قضى وقتًا طويلا وصل في تقديرات أحد المشاركين لشهر أو أربعين يومًا، وهي تقديرات لا يمكن التعويل عليها، لكنها تعطينا فكرة عن المدى الذي اضطر فيه مجموعة السينمائيين القادمين من القاهرة للبقاء في هذا المكان المعزول عن كل عوامل التحضر، فلا نتوقع أن الكثير من الاختيارات التقنية كانت متاحة لهم، ومع ذلك أبدعوا في توظيف المتاح لصنع صورة ساحرة. التصوير عكس الشمس كثيرًا مع الغبار الذي تثيره حركة الحيوانات أضفى طابعًا خرافيًا على اللقطات يؤكد معنى الغربة التي تدعم الشجن الذي يثيره الموضوع. استخدام عاكس الضوء في اللقطات المقربة ساهم في التأكيد على التفاصيل، وهي مهمة للغاية في فيلم تسجيلي خاصة هذه النوعية التي وثقت حياة قد تكون اندثرت، بل إنها حال توثيقها كانت على مشارف الاندثار فعليًا. ملابس أهل الصعيد من الرجال والنساء والأطفال، خاصة الصعيديات داخل البيت وخارجه وتصميمها المميز الذي لن تجده اليوم لأن الجميع أصبح يعتمد على الملابس الجاهزة التي تنتجها آلات المصانع فلا يميز هذه عن تلك إلا المحل الذي اشترين منه ملابسهن بينما ترى كل امرأة في الفيلم ترتدي زيًا مختلفًا عن الأخرى، فالمرأة الشابة التي تعمل في المنزل وتبذل جهدًا في العجن والخبز وتوقد الفرن البلدي الطيني وتجلس أمامه بل وتمد يدها لتلقط الخبز من قلب لهيبه ترتدي زيًا أكثر مراعاة للحركة، فتجده قصيرًا بعض الشيء يكشف الساعدين، هذه المرأة الشابة التي ما تزال قادرة على الإنجاب تجدها ترتدي جلبابًا متسع الصدر ليسهل عليها إرضاع صغارها، على خلاف من تخطين هذه المرحلة العمرية، والجميع عند الخروج من المنزل ترتدين المَلَسَ الصعيدي الأسود المنسدل فوق ملابسهن.

  رصد الفيلم أيضًا هذه العمارة المميزة لبيوت الصعيد التي بنيت كما بنى المصري بيوته منذ فجر التاريخ بالطوب الأحمر والطوب اللبن والطين وجذوع الأشجار والنخيل. الشوارع الضيقة التي تعزل السكان والمارة عن قيظ الصيف وصقيع الشتاء كما أنها تدعم فكرة النمو العائلي للقرى والنجوع، فهي عائلة تستقر بالمكان وتبدأ النمو فتتوالد العمارة بعضها حول بعض حتى تبدو كتلة عمرانية واحدة صماء من الخارج وخلية نحل من الداخل تعج بالحركة والحياة.

  أيضًا نرى بوضوح هذه العلاقة المتشابكة بين الإنسان وحيواناته التي تعيش معه وبه، تحت رعايته وفي خدمته، بينما نجد الولد يحلب عنزته ليملأ بلبنها الطازج ساندويتشه، نصف بتاوته، نجد عنزة أخرى تمد فمها لتلتقط النصف الثاني من سيالة جلبابه، تُطعِمُ وتُطعَم.

  نجد حيوانات مثل الكلب البلدي الغلبان تارة يتمشى بجوار صانعات الخبز وكومة البتاو الطازج دون أن يفكر في سرقة شيء من الطعام ككلاب المدن الضالة، ربما لثقته أن نصيبه من الطعام محفوظ له وأهل البيت لن ينسونه بحال. تارة أخرى نجد كلبًا راقدًا فوق سور أحد البيوت، جالسًا ورأسه منتبه مثل أنوبيس حارس المقابر في مصر القديمة، في الغالب يؤدي مهمة حراسة لم يدرب عليها لكنه بفطرته أدرك دوره الهام في هذه المنظومة.

  عندما يمر موكب الغنم بجوار عجوز تجلس على باب بيتها، لا تنفر ولا تستاء أو يبدو عليها الضيق، كل ما تفعله أنها تدفع النعاج والخراف والماعز بلطف، وعندما يتخلف جدي صغير عن الموكب تقوم بشكل تلقائي لتهشه كي يعود إلى  رعاته، إحساس الجميع بالمسؤولية دون أن يُطلب منهم ذلك.

  إنه مجتمع متكامل متآلف رغم أنه قد يبدو من الخارج كتلة من الفقر والتخلف، إلا أن حقيقته التي لا تظهر للغرباء هي الثراء.. مجتمَعٌ غنيٌّ بذاته، هل تعرف الدعاء الذي نردده ليل نهار: "ربنا أغننا بفضلك عمن سواك"؟ يبدو أن أحد الأنقياء من أهل القرية دعى الله بهذا الدعاء، ولا شك أن الله استجاب له.

  بنية الفيلم قائمة على التسلسل الزمني المنطقي. ما بين مدخلٍ وُظف فيه النص المكتوب الذي يتحدث عن بعد القرية عن العاصمة وعدم وقوف القطارات الفاخرة التي تحمل السياح بها، ونهايةٍ تقدم هذه الحقيقة في وثيقة سمعبصرية تثبتها، بين هذا وتلك نجد تسلسلا من المشاهد التي توضح المراحل التي يمر بها الساندويتش البطل، الموضوع الذي يدور حوله الفيلم، ونلاحظ من الحديث الذي أشرنا إليه لأحد المشاركين في الفيلم أن هناك مَشاهد عديدة أخرى تم تصويرها تتناول صيد السمك ولعب الأطفال وغير ذلك، لكن صانعة الفيلم تقرر حذف الكثير من المادة التي صورت ليصبح التركيز فقط على الساندويتش، ساندويتش لبن الماعز الطازج في خبز البتاو المندثر، الساندويتش الذي كان كفؤا لتظهر من خلاله قصة قرية قصية، حياة سكانها وعاداتهم، ملابسهم وطعامهم وسلوكهم، كل ذلك خلال موضوع قد لا يعده البعض مؤهلا ليُصنع عنه فيلم تسجيلي مهم.

أحمد صلاح الدين طه

26 يوليو 2024

فيلم الساندويتش لعطيات الأبنودي

فيلم الساندويتش لعطيات الأبنودي

فيلم الساندويتش لعطيات الأبنودي

فيلم الساندويتش لعطيات الأبنودي

فيلم الساندويتش لعطيات الأبنودي

فيلم الساندويتش لعطيات الأبنودي

فيلم الساندويتش لعطيات الأبنودي

فيلم الساندويتش لعطيات الأبنودي

 

Translate ترجم إلى أي لغة

عام جديد سعيد 2026

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أرشيف المدونة الإلكترونية

شرفتنا بزيارتك أنت اليومَ الزائر رقم

Online Now


visitor counter