مرحبًا بكم في ديدالوم مجمع الفنون

منصة الفن والأخبار الثقافية الرائدة

أحدث الأخبار والمقالات

بحث Search

‏إظهار الرسائل ذات التسميات director. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات director. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، يونيو 04، 2025

فن الإبراز وسر المعنى: مفهوم العزل في التصوير الفوتوغرافي والسينمائي والتليفزيوني

drive-away-dolls-marian director Ethan Coen's DRIVE AWAY DOLLS Photo Wilson

  لماذا لا نتحدث كثيرا عن المفاهيم التي نوظفها كمصورين ومخرجين لإنتاج الصورة، حتى ليبدو للعديدين من غير المتخصصين أن التصوير هو عمل تقني بحت، وهي صورة مجحفة إلى حد كبير تسهم في تشويش قدرة المتعلمين الجدد على إدراك أبعاد هذا العمل والانخراط فيه بشكل صحيح ومبدع.

  من المفاهيم الأكثر تداولا هو العزل أو Isolation ، وهي خاصية أصبح الكثيرون يدركون أهميتها وروعتها سواء على المستوى التشكيلي الجمالي أو على المستوى التعبيري، دائما الفنان يطارد المعنى من خلال الشكل.

  أول ما يتبادر إلى أذهان الهواة والمبتدئين وحتى تجار الأدوات الفوتوغرافية عندما يسمع هذا المصطلح هو العزل التقني، بل وعنصر واحد فقط منه وهو العزل عن طريق عمق مجال الوضوح، اسأل أي مصور غير متخصص سيبادر إلى الحديث عن فتحة العدسة والبوكا Bokeh وأي تاجر ستجده يحدثك عن (عدسة العزل) أو أن هذه العدسة (أفضل في العزل) وطبعا غالبًا ما يقصدون العدسات ذات فتحة العدسة الواسعة (٢.٨) أو أوسع.

  أهمية العزل هو أنه العمل التعبيري والتشكيلي الأهم بالنسبة للمصور والمخرج، فبينما كان الرسامون التقليديون يتباهون بالتفاصيل العديدة التي يضمنونها في لوحاتهم؛ جاء المصورون الفوتوغرافيون ليقدموا مهارة أخرى مضادة تمامًا لعمل هؤلاء الرسامين، ألا وهي مهارة إبراز التفاصيل؛ بينما فَخِر الرسام التقليدي بأنه يستطيع وضع عالم كامل داخل الإطار، تباهي المصورون الفوتوغرافيون بقدرتهم على اكتشاف عالم كامل في تفصيلة واحدة من تفاصيل الحياة وفي حالة عابرة تمر بها هذه التفصيلة في لحظة واحدة قد لا تستغرق أكثر مما تستغرقه غمضة عين أو ومضة فلاش سريع الطلقات. ونلاحظ أيضًا أن الدمج أو اللاعزل هو صورة من صور العزل أيضًا؛ فالمصور لا يعكف فقط على تحقيق العزل، لكنه يختار أن يعزل موضوعه أو لا يعزله، فإن عزله فلأي درجة يجعله مفصولا عن محيطه كليًا أم إلى حد معين. إدراك المصور أو المخرج لهذه النقطة هي ما يحدد قيمة العزل وأهميته وليس العدسة المستخدمة.

  بدأت المسألة إذا مع التصوير الفوتوغرافي، ثم تطورت الأساليب مع مرور الأيام وتطور تقنيات التصوير وظهور السينما والألوان والصوت والبث التليفزيوني، استجابة لخصائص الوسائط المختلفة وحاجاتها الاتصالية وطرقها التعبيرية وتطور تقنياتها وحجم وضخامة الإنتاج والتمويل المتعلق بها.

  إذا كيف يحقق المصور والمخرج عزل موضوعهم لتسليط الضوء عليه؟


  أولا:
هناك العزل الأكثر شيوعًا ومعرفة وهو عن طريق ظاهرة عمق مجال الوضوح أو ال(Depth of field)، التي تعني جعل الموضوع واضحًا بينما كل ما يحيط به (سواء أبعد منه أو أقرب إلى الكاميرا بنسب معينة) غائم أو مضبب أو (Blurred) أو (Out of focus) وبالمناسبة كثيرون من مخرجي التليفزيون يختصرون التعبير الأخير في حديثهم فيقولون إن الصورة (فوكاس) ويقصدون أنها غير واضحة مما يعكس معنى الكلمة ويسبب ارتباكًا عادة للمصورين المتخصصين الجدد.

 

Mulholland-Drive-2


  تقنيًا يتحكم في عمق المجال أربعة عناصر هي:

  1. فتحة العدسة (كلما اتسعت فتحة العدسة قل عمق المجال، ومن ثم زاد عزل الموضوع عن الخلفية).

  2. البعد البؤري للعدسة، حيث العدسات ذات البعد البؤري الأكبر تعطي عمق مجال أقل، فمثلا العدسة ٨٠مم. تعطي عمق مجال أقل من العدسة ١٦مم. مما يعني أن خلفية الموضوع ستصبح أكثر ضبابية عند استخدام عدسة ٨٠مم.

  3. المسافة من العدسة، كلما قلت المسافة بين الموضوع والعدسة نفسها كلما قل عمق المجال وزادت ضبابية الخلفية ومن ثم يزيد عزل الموضوع عن المحيط به، مع الأخذ في الاعتبار أن لكل عدسة مسافة معينة لا يمكن تغيير التبئير (ضبط الفوكس) بعدها، وهي التي يطلق عليها نقطة اللانهاية، بعدها يصبح كل شيء واضحًا ولا يمكن في هذه الحالة توظيف ظاهرة عمق المجال لتحقيق عزل الموضوع.

  4. العنصر الرابع هنا وهو الذي عادة ما يتم إغفاله، هو مساحة سطح المستشعر (السنسور) أو مساحة تعريض الصورة في الكاميرات القديمة، كلما زادت مساحة سطح السنسور يقل عمق المجال الناتج عن مختلف العدسات ومختلف فتحات العدسات بشكل ملحوظ، وهذا ما يجعل الكاميرات الرقمية التي تسمى ذات الإطار الكامل (Full Frame) تنتج صورة ذات عمق مجال أقل وخلفية أكثر ضبابية من الكاميرات ذات الإطار المقتطع (Cropped Frame). كاميرات الفيديو الرقمية ذات المستشعر الصغير جدا (في الغالب يتراوح بين ثُلث بوصة أو نصف بوصة أو ثلاثة أرباع بوصة أو بوصة واحدة كاملة) هذه الكاميرات تنتج صورة ذات عمق مجال أكبر كثيرًا من كاميرات السينما الرقمية التي يصل المستشعر فيها إلى سطح أقرب في مساحته إلى مساحة التعريض لكاميرات السينما التقليدية مقاس ٣٥مم. أو مقاس ٦٥مم. أو ٧٠مم.، وهو ما يجعل مصور الأخبار التليفزيونية أكثر ثقة في وضوح الصورة من المصور السينمائي الذي يستعين بفريق كبير من المساعدين لأداء مهام عديدة يقوم بها جميعًا مصور واحد في التليفزيون.

  ويمكن إضافة العزل المزيف كوسيلة خامسة، وهو نوع شائع أيضًا في التصوير الفوتوغرافي الثابت حيث تستخدم برامج معالجة الصور وكثير من تطبيقات الهواتف المحمولة تحقق ذلك بشكل رقمي أو بالاعتماد على الذكاء الإصطناعي لتعطي إيهاما بقصر عمق المجال وتحقق عزل الموضوع المصور خاصة بالنسبة لتصوير البورترية.

 

drive-away-dolls-curlie director Ethan Coen's DRIVE AWAY DOLLS Photo Wilson Webb

  ثانيًا: التباين الضوئي، حيث الصورة سواء الفوتوغرافية أو السينمائية أو الفيديوية، هي تجسيد مسطح ثنائي الأبعاد من المساحات المضيئة والمظلمة يمكن توزيعها بحرفية لإعطاء أهمية لعنصر معين فيصبح معرّفًا لعين المشاهد، بينما يتم تنكير العناصر الأخرى التي يقع عليها كم أقل من الضوء، حيث المساحة الأكثر استضاءة أكثر بروزًا والمساحات المظلمة أو شبه المظلمة تصبح متوارية نسبيًا غير ملفتة لعين المشاهد، كما أن المستضيء يظهر أقرب، والمظلم يبدو بعيدًا، المستضيء واضح ومكشوف ومفروغ من أمره، بينما المظلم غامض وقد يكون مكتظًا بالأسرار والأفكار، يحفز خيال المشاهد للتنبؤ بما قد يكون موجودًا فيه أو يمكن أن يكون موجودًا ولا يظهر لعينه أي يمكن اعتبار مناطق الظل فراغات بصرية تشبه الفراغات السردية أو ما نطلق عليه (المسكوت عنه) في القصة السينمائية أو العمل التشكيلي.

  هذا هو السبب الرئيسي لكون المصور المحترف لابد أن يستخدم مصادره الخاصة للإضاءة ولا يعتمد على إضاءة المكان، رغم أنها هندسيًا قد تكون كافية لإنتاج صورة جيدة لكنها لا تعطي للمصور القدرة على التحكم الجمالي والتعبيري في الصورة. 

  هذه النقطة تكون عادة مصدر تعجب للهواة والممولين غير المتخصصين الذين يعتبرون استخدام المصور للإضاءة الصناعية ترفًا لا أهمية له، خاصة أنه قد يستخدم مصادر إضاءة ضخمة جدًا ومكلفة للغاية بينما هو يصور في مكان مفتوح تحت شمس ساطعة، هنا يأتي تفسير هذا الأمر حيث أن عمل المصور الرئيسي هو إدارة الضوء والتحكم فيه وليس فقط توفيره.

color theory


  ثالثا: العزل عن طريق الألوان، وهو واحد من الأعمال الدقيقة التي يقوم بها المصور بالتعاون مع المخرج ومصمم الديكور ومنسق الإكسسوار ومصمم الملابس والممثلين أو الموديلز، وأحيانا يقوم بكل ذلك بنفسه في الإنتاجات المحدودة الكلفة، وكل ذلك يتطلب فهما تامًا لنظرية الألوان Color Theory والتي تعني ذلك العلم المبني على الأبحاث والخبرات الإنسانية والتراكم الثقافي والمعرفي والذوق الخاص، وتوظيفها من أجل إعطاء الأهمية لعنصر محدد في الكادر يكون هو الموضوع الرئيسي، وتوزيع الأهمية في عمل أشبه بالبلاغة في اللغات المنطوقة.

قائمة شندلر
 

  طبعًا فهم الألوان مجال متسع نكتفي هنا بالإشارة إلى بعض الحالات العامة مثل تباين الألوان حيث ثنائيات الألوان المتقابلة تعطي تباينا يُظهر لونًا على حساب آخر مثل اللون الأحمر في مقابل الأخضر، والأصفر في مقابل الأزرق أو السيان، والأبيض في مقابل الأسود. كما أن الألوان التي توصف بالساخنة مثل الأحمر والبرتقالي والأصفر تبدو أكثر قربًا للعين من الألوان الباردة مثل الأزرق والأخضر والسيان، والألوان ذات التشبع العالي (Saturated Colors) أكثر ظهورًا وقربًا من نفس الألوان إذا كان تشبعها منخفضًا أو ما يمكن أن يطلق عليه الألوان الباهتة مجازًا، كما يستخدم كثيرا ثنائية الأبيض وأسود في مقابل الملون وهي إحدى حالات اللعب على تشبع الألوان حيث تصل الألوان عند تقليل تشبعها جدًا إلى حالة الأبيض وأسود، أيضًا هناك طريقة أخرى لتوظيف الألوان في كثير من الأفلام حيث تكون للفيلم بالتة لونية معينة، أي أن هناك منظومة ألوان محددة تطغى على الفيلم نجد عنصرًا معينًا يظهر بلون محدد كل فترة بحيث يكون هذا اللون مخالفًا تماما لكل بالتة الألوان التي ألفها المشاهد طوال الفيلم، وهنا يصبح ذلك الشيء الذي يحمل هذا اللون مميزًا بشكل واضح معزولًا عما حوله.

Telephoto lens

  رابعًا: العزل عن طريق خصائص العدسات، وأغرب ما في ذلك أنك تستطيع توظيف خاصية وعكسها في نفس الغرض وهو عزل الموضوع الرئيسي، على سبيل المثال تنقسم العدسات إلى ثلاث مجموعات أساسية: (النورمال) وصورتها أقرب لما يراه الإنسان، و(التليفوتو) وهي عدسات محدودة اتساع زاوية الرؤية، تجعل الأشياء المتراصة على محور واحد أمام الكاميرا تبدو أكثر قربًا لبعضها البعض مما هي في الواقع، فيصبح الحجم النسبي لشخص يجلس في المقدمه قريبًا من شخص بعيد جدًا عنه، وهناك مثال قد يذكره الكثيرون وهو لقطة السيلويت للبطل هشام سليم في فيلم عودة الابن الضال وهو يسير تجاه الشمس وتظهر رأسه بنفس حجم قرص الشمس، وهذه لقطة مصورة بعدسة ذات بعد بؤري كبير جدًا كانت فيما يبدو عدسة ١٠٠٠مم.

عودة الابن الضال
 

النوع الثالث من العدسات هو العدسات قصيرة البعد البؤري متسعة الزاوية وهي عدسات زاوية الرؤية بالنسبة لها متسعة جدًا (نسبيًا)، وتظهر الحجم النسبي أبعد للغاية من الواقع، فيظهر الموضوع في مقدمة الكادر ضخما بينما الأشخاص أو الأشياء التي تبعد عنه سنتيمترات قليلة تظهر بعيدة جدًا وصغيرة للغاية.

  يوظف المصورون خاصة مصورو الأخبار للتليفزيون كلا النوعين من العدسات طويلة البعد البؤري وقصيرة البعد البؤري لعزل الموضوع (الذي غالبًا ما يكون متحدثًا سواء كان مذيعًا أو ضيفًا) عن الخلفية التي غالبًا ما تكون مكتظة بالأشخاص والحركة الملفتة بينما يكون من المهم جعل المشاهد يركز فقط على الشخص الذي يتحدث لأن مدة ظهوره على الشاشة ستكون محدودة جدًا وليس مطروحًا ترك عين المشاهد يسرقها حدث ما يدور في الخلفية ولو للحظة واحدة.

 

هنا يستطيع المصور اتخاذ أحد طريقين، الأول أن يقف المصور بكاميرته بعيدا عن الشخص الذي يصوره، ويصور باستخدام عدسة طويلة البعد البؤري (ذات زاوية رؤية محدودة) لأنها ستقصي معظم ما يحدث في الخلفية ويصبح خارج الكادر، كما أن لها ميزة أخرى قد تكون مفيدة أيضًا وهي صغر عمق مجال الوضوح الذي سيجعل الخلفية مضببة غير واضحة فلا تصبح مهمة بالنسبة للمشاهد.

  والحل الثاني هو الاقتراب للغاية من المتحدث، واستخدام عدسة قصيرة البعد البؤري، متسعة الزاوية، ورغم أنها ستجعل المشاهد يرى كل ما يدور في الخلفية بسبب اتساع زاوية رؤيتها كما أن كل شيء سيكون شديد الوضوح لأن عمق المجال لها كبير جدا، لكنها أيضًا ستزيد المسافة النسبية بين الموضوع (المتحدث) الأقرب للكاميرا وبين الأشخاص الآخرين الذين في خلفيته والذين سيصبحون أقل أهمية، ولصغر حجمهم لن يهتم المشاهد بهم. ويعيب هذه الطريقة وجوب أن يجعل المصور المتحدث في منتصف الكادر لأن هذه العدسة تسبب تشوها منظوريًا كلما ابتعد الموضوع عن المنتصف.

 

framing


  خامسًا: العزل عن طريق التكوين، وهو ترتيب المكونات داخل الكادر بحيث تلفت النظر لعنصر معين، أي تجعله معزولًا مميزًا لعين المشاهد، فعلى سبيل المثال يمكن أن تقود الخطوط الظاهرة والضمنية في الكادر عين المشاهد إلى نقطة محددة، كما يمكن أن يستخدم التأطير لعزل عنصر محدد مثلما نجد كثيرًا في شخص يقف في النافذة، كما استخدم بعض المخرجين شكل إطار الشاشة الخارجي بطريقة إبداعية لتحقيق العزل مثلما نجد عند ويس أندرسون مثلا حيث يجعل شكل الإطار مرة عريضًا ومرة مربعًا أو دائريًا أو حتى طوليًا، وأيضًا يمكن عزل عنصر معين عن طريق الفراغ السلبي، ولنذكر مثلا لقطة ظهور بطل فيلم لورنس العرب من عمق الصحراء بينما مساحة الكادر ذي الشاشة العريضة تملأها رمال الصحراء والبطل هو ورفيقه قادمان كنقطة وسط كل هذا الفراغ لكنها نقطة وحيدة مميزة تجذب عين المشاهد مباشرة خاصة مع توظيف الخطوط التي ترسمها قمم الكثبان الرملية لتوجه عين المشاهد إلى نفس النقطة.

 


  سادسًا: العزل عن طريق الحركة، والحركة ليست قاصرة على السينما والفيديو فقط الذين يمكن جعل حركة الموضوع الرئيسي مع ثبات العناصر الأخرى أو العكس أحيانًا أو متابعة الكاميرا لإحدى الشخصيات لعزلها عن محيطها والتركيز عليها، أو حركة الكاميرا المقتربة (دوللي إن) وحركة التكبير عن طريق العدسة (زووم إن)، لكن في التصوير الفوتوغرافي أيضًا هناك عزل عن طريق الحركة، وكمثال هناك أساليب شهيرة مثل التقاط صورة سيارة متحركة ومتابعتها بالكاميرا مما يجعل الخلفية مشوشة وتبقى السيارة واضحة، أو التقاط صورة بالفلاش لشخص يقف وسط أناس يتحركون مضائين بأضواء مستمرة فيبدون ضبابيين مع وضوح الشخص الأول، أو حركة راقصة مضاءة بإضاءة مستمرة مع تشغيل إضاءة فلاش عند نقطة محددة فتبدو في هذه اللحظة واضحة بينما تظهر حركتها على طول المسار مشوشة، وغير ذلك الكثير.



  سابعًا: الإقصاء، وهو نوع من العزل أيضًا، فبينما يمكنك أن تضمن عنصرًا أو عناصر معينة داخل الكادر، تستطيع تجاهل عناصر أخرى وعدم تصويرها على الإطلاق، وهو ما يفعله بشكل يومي وتلقائي مصورو الأخبار التليفزيونية، وهو ما يجعل الأمانة الملقاة على عاتقهم كبيرة جدًا، فبينما يظن مشاهد الأخبار أنه يستطيع رؤية كل شيء، ويطمئن لهذه الفكرة الوهمية، لا يتمكن هذا المشاهد إلا من مشاهدة ما اختاره له مصور الأخبار وقرر أنه الأهم والمناسب لعرضه على الجمهور.


  
ثامنًا: العزل الصوتي، وهو ميزة في السينما والفيديو، طبعًا لا يضاهيها التصوير الفوتوغرافي، لأنه يعني خلق تميز لعنصر معين عن طريق ظهور صوته وغياب أو تشويش الأصوات الأخرى في البيئة المحيطة به، ونقصد هنا بالبيئة المحيطة ما يظهر حوله داخل الكادر لعين المشاهد، وليس فقط البيئة المحيطة بالموضوع المصور في مكان التصوير.

يبدأ توظيف العزل الصوتي في مكان التصوير بإقصاء الأصوات المحيطة، فتجد المحترفين يحرصون على استخدام ميكروفونات يمكن تقريبها جدًا من الشخص المتحدث مثل الميكروفون المعلق في ملابس المتحدث، أو الهاند مايك الذي يتميز بزاوية التقاط محدودة للغاية، أو البووم مايك الذي يحمله مساعد الصوت ويوجهه لالتقاط الصوت من المتحدث فقط بزاوية التقاط محدودة ومجموعة من الفلاتر الداخلية أو العوازل المركبة عليه من الخارج والتي تتحكم في إقصاء الأصوات الغير مرغوبة والتي تحيط بالشخص المتحدث مثل صوت الرياح.

بعد التسجيل أيضًا يكون هناك تحكم كبير في عزل الموضوع المتحدث عن طريق المكساج الصوتي، فقد نجد صوت البيئة المحيطة التي غالبا في الدراما ما يتم تخليقها بعد التصوير في استوديو المؤثرات الصوتية، يكون هذا الصوت أو الضجيج عاليا نسبيًا ثم يتلاشى رويدًا ليصبح صوت المتحدث مسموعًا وحده، وقد يتم إقصاء صوت المتحدث نفسه والغوص أكثر في نفسه فيسمع المشاهد صوت حديث داخلي. هذه مةجرد أمثلة للتوضيح لكن تطبيقات العزل الصوتي الإبداعية لا حصر لها.


  تاسعًا:
العزل السردي (المونتاجي)، وهي خاصية تميز السينما والتليفزيون، حيث يمكن التركيز على عنصر معين عن طريق القطع المباشر بين لقطة واسعة وأخرى مقربة، أو بوضع تتابع معين للقطات المتسلسلة يفهمه المشاهد كإقصاء لعناصر المشهد والتركيز على أحدها فقط.


  عاشرًا:
العزل المعنوي أو الضمني، حيث العنصر الفريد يصبح بارزًا مثل زهرة نامية في قلب الجبل (البعض قد يتذكر التصوير التليفزيوني القديم لنشيد ديني للمطرب الراحل عبدالحليم حافظ والتي تقول كلماتها: "ياخالق الزهرة في حضن الجبل من فوق" وتظهر صورة لوردة متفتحة نامية وسط صخرة ضخمة صلدة)، أو طفل بملامح رقيقة وسط مجموعة من الجنود المدججين بالسلاح، كما يمكن تصور شخص ينظر في اتجاه العدسة بينما يولي الآخرون ظهورهم للمشاهد، بالتأكيد سيميز المشاهد من ينظر إليه بسهولة أكبر وسيهمل الآخرين. وغير ذلك من الصور العديدة التي يمكننا استدعاؤها بسهولة.

 


إذًا فالعزل ليس مجرد تقنية محدودة يستخدمها المصور لإبهار عين المشاهد، لكنه مفهوم عميق يمكن اعتباره أصل ما وجدت بسببه وظيفة المصور أو المخرج، الذي يكون عليه من خلال علمه وموهبته مخاطبة عقل المتلقي بتوظيف العزل (أو اللا عزل أحيانًا) لإيصال المعنى والتفاعل مع الموضوع سواء كان هذا العزل بصريًا أو صوتيًا، ظاهرًا أم ضمنيًا.

أحمد صلاح الدين طه

٣ يونيو ٢٠٢٥

dedalum.info@gmail.com

الاثنين، أغسطس 19، 2024

فيلم Dirt وفنية تضمين الرسائل الأخلاقية

 

Lucas Jones,Eve Gordon Dirt Directed by Paul Preston

  كثيرًا ما يميل صناع الأفلام القصيرة إلى الغنائية، علو الصوت وحشد المشاعر والتعبيرات البصرية والسمعية والدراما لتقديم فيلم كأنه طلقة مدفع في لحظة شديدة القصر لكن أثرها يبقى في الذاكرة كصدى صوت أو كحطام قلوب، محل الانفجار.

  بول بريستون أخذ الطريق المعاكس؛ قدم فيلما شديد الرقة والعذوبة، بإيقاع تأملي حالم، يبدو الصراع الظاهري فيه مجرد أثر خارجي لصراع يحتدم داخل الشخصيات، لا ننخرط فيه لكننا ننفعل به، نعايشه بعمق من خلال سرد سينمائي تقليدي يستفيد من تقاليد السينما الكلاسيكية بفهم عميق لقواعدها وتأثر بالاتجاهات الرومانتيكية في الفن أضفى بعدًا من السحر والغموض على قصة هي في الأصل شديدة الواقعية، وأحداث قد تقع (وهي تقع بالفعل) في أي مكان من العالم.

  الحدث الدرامي الرئيسي يقع قبل بداية الأحداث، حيث ينشر رفيق البطلة السابق أو ما عدنا نسميه ب (الإكس Ex) صورة شديدة الخصوصية لها، نكتشف الواقعة مع البطلة في المشهد الأول دون أن نرى الصورة نفسها لكننا نشهد وقع الاكتشاف على وجهها حيث تفزع عندما ترى أن أحدهم أشار إليها في صورة على أحد مواقع التواصل، ترى الصورة وتنصدم، تهرول إلى ذلك الإكس الذي خان خصوصيتهما معًا لكن المسألة تتعقد أكثر عندما تصل إليه في لحظة يكون فيها ظاهرًا على الهواء، يعرض موسيقاه على متابعيه، تقاطعه متوترة قبل أن تكتشف أنها عقدت الأمور أكثر بظهورها معه، تنصرف مرتبكة وقد شعرت أن العالم يتآمر عليها.

  تواجه مشاكل في دراستها الموسيقية، بينما يسيطر عليها الإحباط والشعور بالدونية والضياع وعدم القدرة على تخطي الأزمة، حتى إنها عندما تفكر في مواجهة رفيقها السابق وتهديداته تقع ضحية لهجومه واستهزائه واستهتاره بمشاعرها. تقف عاجزة ولا تستطيع دحره، بل تنصرف خائبة، لكن كما يقال إن الضربة التي لا تقصم الظهر تقويه يبدو أنها تتخطى المرحلة، بل تنشر بنفسها الفيديو كاملا لهذه اللحظة التي دعاها فيها رفيقها لخلع قميصها، ففعلت لاهية ظنًا منها أن التسجيل سيظل خاصًا جدًا بين الحبيبين. لم تحسب مطلقًا أن العلاقة بينهما قد تنفصم. قال لها: "ألا تثقين بي" فابتسمت بسذاجة وصبت في جوفها كوب بيرة في جرعة واحدة، وراحت لاهية تنفذ أوامره التي بدت لها ودودة وبسيطة للغاية قبل أن تكتشف حقيقته.

  نشرت الفيديو على صفحتها الخاصة وكتبت عليه عنوانًا ذا مغزى: "There are two tragedies in life; Not getting what you want, and Getting it" أو (هناك نوعان من المأساة في الحياة؛ أن لا تحصل على ما تبتغي، وأن تحصل عليه)، نشرت ذلك وراحت تكمل مقطوعتها الموسيقية وتستمر في طريقها بهدوء.

  الفيلم القصير (Dirt) يحاول تقديم دعم نفسي، عظة أخلاقية دون أن يقع في فخ الصوت العالي، دون أن يخرج عن عالم الفن الذي يفرض على صانعه أن يُلَمّح ولا يُصَرّح، وفي سبيل ذلك ينتصر للبطلة ويجعلها هي نفسها تنتصر لنفسها من خلال صراع مواز حيث تجاهد البطلة من أجل إنجاز مقطوعة موسيقية تسمح لها باستكمال دراستها دون عوائق، وبينما تتعثر مرارا وتكرارا؛ نتابع البطلة ونحن نتتبع قصتها مع حبيبها السابق ونجدها بعد إخفاقات آخر الفيلم تجلس على البيانو وتعزف مقطوعتها التي اكتملت. هكذا إذا نكتشف أنها عَبَرَت أزمتها وانتصرت على مخاوفها وتهديدات الآخر.

  بنية الفيلم جاءت كلاسيكية نكاد نرى فيها تطبيق أقدم قواعد الدراما الأرسطية بحذق شديد يدل على فهم عميق ووعي تام بها. بوضوح نرى تصاعد الأحداث من بداية فوسط ثم نهاية.

  في البدء نتعرف على الشخصية من خلال جلوسها ومحاولتها تأليف مقطوعة موسيقية، ثم تأتي المعرفة (قاعدة التعرف والتحول) حيث تكتشف صورتها الخاصة التي تعتبرها مشينة وقد نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي فتتحول حياتها من الدعة إلى الشقاء، وتسارع بالذهاب إلى الآخر، وكما يقول سارتر الجحيم هو الآخرون، وكذلك تجده حيث نصب لها الآخرُ شَرَكًا: إما أن تعود إليه أو يدمرها. وهنا محور الصراع الذي لا تكون الدراما الكلاسيكية إلا به، صراع البطلة من أجل إثبات وجودها في عالم داخلي يحكمه خوفها وشعورها بالضعف والانهزام، تتصور الجميعَ مشتركين في التآمر عليها، الفتيات اللاهيات في سكن الطالبات، المشرف في الكلية، رفيقها السابق وحتى أصدقاؤه الذين يصوبون نظراتهم القاسية إليها.. الكل ضدها.

  اختيارات صانع الفيلم الفنية سهلت حكيه لقصة آريا الفتاة المغلوبة على أمرها والتي ينتصر لها في النهاية بجعلها تتخطى محنتها آخر الأمر وتنتصر على مخاوفها. اختيار الممثلين كان خطوة مهمة: آريا أدت دورها Eve Gordon بملامحها البريئة التي تدفع المشاهد للتعاطف معها والتي أكدتها الإضاءة الناعمة التي تأتي دائمًا مباشرة تجعل الوجه مشعًا بمظهر ملائكي، وليون أدى دوره الممثل الشاب Lucas Jones ذو الملامح الحادة المنحوتة التي أكدتها باستمرار الإضاءة من خلال وجوده دائمًا في مناطق الظل بحيث يسقط الضوء على وجهه من الجانبين ليرسم ظلالًا مخيفة على الوجه توحي بما يعتمل في نفسه من سواد زاده استخدام عدسة واسعة الزاوية (Wide angle lens) في اللقطات المقربة للوجه، كلا البطلين يبدوان كما لو كانا صورتين من تراجيديا إغريقية قديمة، ولو تصورنا آريا بملامحها تلك ربة للدعة والجمال سنتصور ليون كأحد آلهة الشر أو الحرب أو الهلاك.

  بحرص أيضًا تم اختيار الأماكن والأزمنة والملابس والإضاءة المرتبطة بالشخصيات فبينما نجد آريا دائمًا في أماكن ضيقة مثل غرفتها أو ممرات سكن الطالبات الخانقة تحت إضاءة خافتة (Low key) تؤكد بؤسها وأزمتها النفسية وصراعها الداخلي، يؤكده أيضًا إطار الصورة حيث تظهر معظم الوقت في لقطات مقربة وحتى عندما تكون في لقطة واسعة في استوديو الموسيقى يتم تصوير الغرفة داخل إطار (من خلف نافذة زجاجية) مع تكرار ظهورها في الكادر للإيحاء بالازدحام والتخبط الذي تعيش فيه.

  ليون عدو البطلة لا نقابله إلا داخل بار سواء كان جالسًا وحيدًا بصحبة هاتفه الذي يَبُثّ من خلاله على الهواء تجاربه الموسيقية عبر وسائل التواصل، أو بصحبة آخرين يتبادلون الأحاديث حول كؤوس البيرة.. نفس المكان دائمًا كأنه يسكن ويعمل ويقابل أصدقاءه فيه. اسم البار قد يكون ملفتًا: Polar Pear أو الدب القطبي وهي إشارة ربما لما يمثله ساكنه ككائن وحشي مفترس.

  عندما جاءت البطلة إليه للومه على تهديده الذي أرسله لها، خرج معها من البار لكنهما لم يخرجا إلى الشارع، بل بقيا في ممر ضيق ملحق، ليبدو المكان مناسبًا لهذا الصراع الذي وجدت فيه البطلة نفسها تواجه كائنًا همجيًا في حفرة حبست معه فيها فلا نجاة ترجوها. عندما يتركها بعد إهانتها وتحطيم أعصابها تخرج إلى الشارع تبدو كسيرة النفس خاسرة يائسة.. إنه نفس المكان الذي يشهد الآخر عندما يكتشف أنها تخطت تهديداته وانتصرت، هذه المرة يكون هو الخاسر الخائب في نفس المكان.

  الحوار أيضًا تم توظيفه بعناية فائقة، كلمات بسيطة قليلة لكنها تشكل رصاصات تخرج من فوهة بندقية في الوقت المناسب لتصيب الهدف بدقة، مثلا وليس حصرًا تقول البطلة وهي تجادل الآخر:

-          لقد كانت صورة خاصة It was (F..) private photo.

فيجيبها بنطاعة منقطعة النظير:

-          لقد كانت! It was.

حوار بسيط وكلمات محدودة للغاية اختصرت الكثير وساهمت مع تعبيرات الوجوه ولغة الجسد في رسم الشخصيات وتكثيف المشهد لينقلنا إلى مرحلة الانفعال وإصدار الأحكام على الأشخاص والأحداث والتفاعل وتكوين توقعات واحتمالات لمستقبل كل منهما، الولد يقول ذلك ويحتسي جرعة من كأسه باستهتار فيرسم تفاصيل شخصيته ويحدد انطباعنا إزاءه.

  هناك أداة أخرى وظفها بول بريستون ببراعة لنقل المعلومات دون أن يذكرها بشكل مباشر وهي الكلمات المكتوبة، عنوان اللايف الذي يظهر الفتى به والذي يواري من خلاله عن متابعيه وجهه القبيح خلف قناع من الغموض والحكمة المزيفة: "سوف أراكِ في عالم آخر، وسنكون كلانا قِطَّيْن"، وعنوان الفيديو الذي تنشره الفتاة بعد أن تعزم أمرها وتتغلب على مخاوفها والذي يتحدث عن تراجيدية الاختيارات المتاحة للبشر في الحياة، وبين ذلك نجد الرسائل النصية على اللابتوب والموبايل وحتى اليافطة التي تحمل عنوان البار.

  فيلم Dirt الذي يمكن ترجمة اسمه إلى قذارة أو بذاءة أو رجس، يفجر تساؤلًا لدى المشاهد حول: (من البذيء؟) هل هو تلك الفتاة التي تجد نفسها فجأة والعالم يتداول صورتها عارية، أم ذلك الرفيق النذل الذي يبتزها عاطفيا ويضغط عليها ويعرضها للإذلال حتى يتحكم فيها دون أن يأبه بما أحدثه بقلبها من شرخ قد لا تداويه السنون.

  فيلم رقيق يسير بلطف وينقل رسالته بهدوء رومانتيكي يتغلغل في النفس ويصيب شغاف القلب.

أحمد صلاح الدين طه

18 أغسطس 2024

dedalum.info@gmail.com

 

لمشاهدة الفيلم على فيميو اضغط هنا

لمشاهدة الفيلم على يوتيوب

 

Lucas Jones,Eve Gordon Dirt Directed by Paul Preston

Lucas Jones,Eve Gordon Dirt Directed by Paul Preston

 

Lucas Jones,Eve Gordon Dirt Directed by Paul Preston

Lucas Jones,Eve Gordon Dirt Directed by Paul Preston

Lucas Jones,Eve Gordon Dirt Directed by Paul Preston

Lucas Jones,Eve Gordon Dirt Directed by Paul Preston

الجمعة، يونيو 23، 2023

يسري نصر الله: سعيد بجائزة الهرم الذهبي وتكريمي بمهرجان القاهرة السينمائي

 

يسري نصر الله: سعيد بجائزة الهرم الذهبي وتكريمي بمهرجان القاهرة السينمائي

القاهرة - مهرجان القاهرة السينمائي

قرر مهرجان القاهرة السينمائي الدولي تكريم المخرج الكبير يسري نصر الله، بمنحه جائزة الهرم الذهبي التقديرية لإنجاز العمر، خلال فعاليات دورته الـ 45، المقرر إقامتها في الفترة من ١٥ و حتى  ٢٤ نوفمبر المقبل، وذلك تقديرًا لما قدمه طوال مسيرته الفنية الحافلة .

وعن قرار التكريم قال الفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي: "سعيد جدًا بأن المخرج المصري يسري نصر الله سيكون معنا في هذه الدورة، وسعيد أيضًا بهذا التكريم، فهو مخرج متميز جدًا وله أعمال مهمة لا يمكن نسيانها، فتلك الأعمال دخلت تاريخ السينما من أوسع الأبواب، كما أنه صديق عزيز جدًا وأيضًا زميل".

وأضاف: "علاقتي بيسري تعود إلى مدة طويلة، وبالتحديد الفترة التي عملت فيها مع المخرج الكبير يوسف شاهين، وكان يسري وقتها مساعدًا له، وعملت أنا أيضًا مساعد لشاهين في فترة من الفترات، فنحن تقريبًا من مدرسة واحدة، فلنا أفكار وأحاسيس واتجاهات فنية متقاربة أو متشابهة، لذلك في الحقيقة سعادتي بتكريمه لا توصف، كما أني سعدت بموافقته على التكريم بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي".




كما أشار المخرج أمير رمسيس مدير المهرجان إلى أن المهرجان يفخر بتكريم المخرج المصري الكبير يسري نصر الله ومنحه جائزة الهرم الذهبي، قائلًا: "إن يسري نصر الله هو أحد أكبر المخرجين المصريين الذين حققوا علامات سينمائية شهدت نجاحًا عالميًا كبيرًا ومن المخرجين المجددين الذين حملت أفلامهم لغة سينمائية خاصة جدًا وتجريبًا جريئًا في مفردات السينما المصرية ساهم في التأثير على عدد كبير من شباب المخرجين، سعيد وفخور بشكل شخصي بتكريم الأستاذ والصديق يسري نصر الله، الذي ساهم في تكوين شخصيتي السينمائية مثل العديد من أبناء جيلي".

وحول تكريمه بمهرجان القاهرة قال يسري نصر الله: "أنا سعيد جدًا بجائزة الهرم الذهبي وتكريمي بمهرجان القاهرة السينمائي، وفي مثل هذه اللحظات أتذكر حياتي مثل شريط من أين جئت وإلى أين وصلت، فلم يكن ما وصلت إليه ليحدث دون عدد كبير من الأشخاص سواء من الأصدقاء أو العاملين في صناعة السينما المصرية العظيمة، فمنهم من وقف بجانبي، ومنهم من تعاون معي، ومن عملوا معي، وجعلوني أكون الشخص الذي أنا عليه الآن، ولذلك أتوجه لهم بالشكر كما أن هناك الكثير منهم يستحقون التكريم أيضًا".





وبدأ يسري نصر الله مسيرته الفنية عام 1985 ضمن فريق "مساعدي المخرج الراحل يوسف شاهين"، بالمشاركة كمساعد مخرج في فيلم "حدوتة مصرية" ثم "وداعًا يا بونابرت" من بطولة ميشيل بيكولي و باتريس شيرو ومحسن محي الدين ، وشارك يسري في كتابة سيناريو الفيلم، وذلك تمهيداً لخطواته التالية كمخرج سينمائي ينتمي لتيار سينما المؤلف .

وكانت خطوته الأولى كمخرج عام 1988 بفيلمه الأول "سرقات صيفية"، والذي عرض أولًا في افتتاح تظاهرة "نصف شهر المخرجين" في مهرجان كان الدولي 1988، ومن ثم انطلق إلى بقية المهرجانات الدولية وطاف دول العالم من خلالها، وحصل على الكثير من الجوائز، ثم عاد للعمل ضمن فريق يوسف شاهين وشارك كمخرج منفذ في فيلم "إسكندرية كمان وكمان" عام 1990، كما شارك في كتابته، وهو الجزء الثالث من السيرة الذاتية لشاهين بعد فيلمي "إسكندرية ليه؟"، و"حدوتة مصرية"، ليكون عين يوسف شاهين وراء الكاميرا في ظل تمثيل يوسف شاهين الدور الرئيسي في الفيلم .






وفي عام 1993 قام نصر الله بتأليف وإخراج فيلمه الثاني "مرسيدس" وحصل الفيلم على الجائزة الفضية عام ١٩٩٤ من مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية بالمغرب، وجائزة أحسن فيلم عام ١٩٩٤ من مهرجان جمعية الفيلم العشرين، كما حصلت الفنانة يسرا عام ١٩٩٥ على جائزة أحسن ممثلة في مهرجان واجادوجو ببوركينا فاسو، عن دورها في الفيلم.

عام 1995 قدم يسري نصر الله فيلمًا سينمائيًا وثائقيًا بعنوان "صبيان وبنات" من تأليفه وإخراجه، وبطولة باسم سمرة وتدور قصة الفيلم حول حياة باسم نفسه الذي كان آنذاك يعمل مدرسًا في إحدى المدارس الصناعية، ويتخذ أولى خطواته في مجال الفن مع المخرج يسري نصر الله، كما يلتقي الفيلم بدائرته المقربة من العائلة واﻷصدقاء، وعام 2000 قدم يسري نصر الله أحد أهم أعماله "المدينة" ولم ينفرد بتأليفه على غرار الأفلام السابقة حيث شارك ثلاثة مؤلفين في كتابة العمل، هم ناصر عبد الرحمن والمخرجة الفرنسية الكبيرة  كلير دينيس ويسري نصر الله، وكان الفيلم من أوائل تجارب السينما الرقمية في مصر وشهد تجارب طليعية كثيرة في تحويل الشريط الرقمي إلى شريط سينمائي وشارك الفيلم في عدد من المهرجانات منها مهرجان شيكاغو وتورنتو وقرطاج، وحصل على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان لوكارنو.




 


وبعدها قدم يسري عمله الأشهر ثنائية "باب الشمس" المقتبسة عن رواية بنفس الاسم للروائي اللبناني إلياس خوري، والذي شارك في كتابة السيناريو مع يسري والمخرج اللبناني محمد سويد، وقام بإخراج الجزء الأول "الرحيل" والجزء الثاني "العودة"، وتم عرض العملين معًا لأول مرة بمهرجان كان السينمائي في القسم الرسمي خارج المسابقة الرسمية ولاقى الفيلم لاقى ترحيبًا كبيرًا من نقاد السينما في فرنسا وأوربا.

وحصل وقتها يسري على وسام فارس في الثقافة والفنون من عمدة مدينة باريس تكريمًا له، وهو من أرفع الأوسمة الفرنسية ولم يحصل عليه من المخرجين المصريين سوى يوسف شاهين، ثم عُرض الجزءان بدور العرض بنفس التوقيت بحفلات متزامنة، وتم اختيار الفيلم من قبل مجلة Time في قائمة أفضل عشرة أفلام عُرضت في عام 2004، كما حصل الفيلم على المرتبة 42 ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في السينما العربية حسب استفتاء لنقاد سينمائيين قام به مهرجان دبي السينمائي الدولي في 2013 في الدورة العاشرة للمهرجان.


وأعلن مؤخرًا مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي عن ترميم الفيلم، وإعادة عرضه هذا العام بجودة4K  ضمن البرنامج الرسمي للمهرجان والذي سيقام في الفترة من 2 إلى 12 أغسطس المقبل، وذلك بعد مرور 19 عامًا على عرضه الأول.

كما قدم فيلم "جنينة الأسماك" الذي عُرض عام 2008، حيث شارك في بانوراما مهرجان برلين وهو ثاني أهم قسم بعد المسابقة الرسمية في الدورة الـ 58، ليكون الفيلم العربي الوحيد الذي شارك في المهرجان هذه الدورة، واستحق الفيلم ثلاث مقالات في مجلة فارايتي الأمريكية وهي المجلة السينمائية الأولى في العالم.


وتعاون لأول مرة مع النجمة منى زكي عام 2009 عندما أسند لها بطولة فيلم "احكي يا شهرزاد"، ولاحقًا قدم فيلمه المثير للجدل "بعد الموقعة"، وحاول فيه توثيق كواليس معركة شهيرة حدثت وقتها واشتهرت إعلاميًا باسم "موقعة الجمل"، وشارك الفيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي بدورته الـ 65، كما عُرض في تورنتو، وعُرض على هامش المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا، وفي المسابقة الرسمية للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش في دورته التاسعة.



أما آخر أفلامه كان "الماء والخضرة والوجه الحسن"، عُرض عام 2016 وكان العرض الأول في المسابقة الرسمية للدورة 69 بمهرجان لوكارنو السينمائي الدولي، وذلك بعد سنوات من غياب الفيلم المصري عن المنافسة، وهي المشاركة الرابعة للمخرج يسري نصر الله بالمهرجان بعد مشاركة أفلامه "المدينة" 1999 و"مرسيدس" 1993 و"صبيان وبنات" عام 1995.

كما أنه يُعد أول سينمائي مصري يتولى رئاسة لجنة تحكيم الأفلام القصيرة بمهرجان كان السينمائي الدولي، المهرجان الأبرز عالميًا، ليتوج مشوارًا فنيًا مميزًا جدًا محليًا وعالميًا وإن اقتصر على 13 فيلمًا فقط.


وعلى الجانب الآخر درس يسري العلوم السياسية والاقتصادية في جامعة القاهرة، ثم درس السينما في المعهد العالي للسينما وانتقل إلى بيروت ليعمل كناقد سينمائي فى صحيفة السفيـر اللبنانية لمدة أربع سنوات خلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية، كما عمل مساعد مخرج في بيروت مع المخرج اﻷلماني فولكر شلوندورف في فيلم "المزيف" والمخرج السوري عمر أميرالاي في الفيلم الوثائقي "مصائب قوم"، عاد إلى مصر عام ١٩٨٢ ليبدأ رحلته مع السينما.  




مهرجان القاهرة السينمائي الدولي هو أحد أعرق المهرجانات في العالم العربي وإفريقيا والأكثر انتظاماً، ينفرد بكونه المهرجان الوحيد في المنطقة العربية والأفريقية المسجل ضمن الفئة A في الاتحاد الدولي للمنتجين في باريس (FIAPF).



 

Translate ترجم إلى أي لغة

عام جديد سعيد 2026

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أرشيف المدونة الإلكترونية

شرفتنا بزيارتك أنت اليومَ الزائر رقم

Online Now


visitor counter